فهرس الكتاب
أما الحقوق المادية الثابتة في الذمم (الديون) فإنها لا تسقط إلا بالأداء أو الإبراء, فلا يقدم بعضها على بعض, بل يأخذ كل صاحب حق حقه, فإن ضاق محل الحقوق تحاصُّوا وأخذ كل واحد بقدر حقه منه. ولذلك قالوا:"يتعلق حق الغرماء بالتركة كلها وإن لم يستغرقها الدين, سواء أكان الدين لله - تعالى - كالزكاة والكفارات والحج الواجب, أم كان لآدمي كالقرض والثمن والأجرة, فإن زادت الديون عن التركة ولم تف بدين الله - تعالى - ودين الآدمي يتحاصون على نسبة ديونهم كمال المفلس, سواء أكانت الديون لله - تعالى - أم للآدميين أم مختلفة." [1] لكن تقديم بعض المستحقين على بعضهم في هذه الحقوق إنما يكون في الإيفاء والاستيفاء فقط, فلو حضر عنده الغرماء لاستيفاء حقوقهم قدم من كان أسبق حضورًا في استيفاء حقه, كما يقدم, مثلًا, أسبق المدعيين حضورًا في الدخول على القاضي.
1 -قوله - صلى الله عليه وسلم -"من سَبَقَ إلى مَاءٍ لم يَسْبِقْهُ إليه مُسْلِمٌ فَهُوَ له" [2] .
2 -حديث ابن عمر:"نَهَى رسول الله -صلى الله عليه وسلم - أَنْ يُقِيمَ الرَّجُلُ مِنْ مَقْعَدِهِ, وَيَجْلِسَ فِيهِ", قُلْتُ لِنَافِعٍ: الْجُمُعَةَ؟ , قَالَ: الْجُمُعَةَ وَغَيْرَهَا" [3] ."
قال ابن بطال:"قال المهلب: هذا على العموم - كما قال نافع - لا يجوز أن يقيم أحد أحدًا من مكانه؛ لأنه من سبق إلى موضع من مواضع الجماعات التي يتساوى الناس فيها فهو أحق به لبداره إليه" [4]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الموسوعة الفقهية 3/ 20.
[2] رواه أبو داود في سننه 3/ 509 (3066) من حديث أسمر بن مضرس رضي الله عنه.
[3] رواه البخاري 2/ 8، 8/ 61 (6269) ، (6270) ، 64 (6288) ؛ ومسلم 4/ 1714 (2177) .
[4] شرح صحيح البخاري لابن بطال 2/ 503. وانظر أيضًا 6/ 76.