فهرس الكتاب

الصفحة 9712 من 19081

جعله صداقا, أو أجرة, أو نحو ذلك. وكذلك لا يجوز له الانتفاع بشيء منه, فمن ساق بدنة إلى بيت الله الحرام فليس له أن يركبها, أو أن ينتفع من لبنها إلا من ضرورة, وذلك"لأن البُدْن ما أخرج لله تعالى, وذلك يقتضي الامتناع من الانتفاع بها؛ لأنه نوع من الرجوع فيها" [1] , وكذلك"كل ما يكون لثواب الآخرة لا رجوع فيه, ولو من والد لولده" [2] .

والمعنى في ذلك أن غرض الإنسان من إخراج شيء من ملكه إلى الله عز وجل, هو ثواب الآخرة, فإذا عاد فيه فكأنه آثر عرض الدنيا الفانية على الآخرة الباقية, وهو مذموم, وخشيةً من ذلك"منع (النبي صلى الله عليه وسلم) المهاجرين بعد الفتح عن معاودة دورهم؛ لأنهم تركوها لله سبحانه وتعالى" [3] . بل سد الذريعة إلى ذلك, فجعل من الرجوع أن يتملك الإنسان ما تصدق به بشراء أو غيره من أسباب الملك الاختيارية,"والعلة في ذلك: قطع طمع نفسه عن العود في شيء أخرجه لله بكل طريق, فإن النفس متى طمعت في عوده بوجه مّا فآمالها بعدُ متعلقة به, فلم تطب به نفسا لله؛ وهي متعلقة به, فقطع عليها طمعها في العود, ولو بالثمن, ليتمحص الإخراج لله, وهذا شأن النفوس الشريفة ذوات الأقدار والهمم, أنها إذا أعطت عطاء لم تسمح بالعود فيه بوجه, لا بشراء ولا بغيره, وتَعُدّ ذلك دناءة, ولهذا مثّل النبي صلى الله عليه وسلم العائد في هبته بالكلب يعود في قيئه؛ لخسته ودناءة نفسه, وشحه بما قاءه أن يفوته" [4] .

أما لو رجع الشيء إلى ملكه قهرا فلا يعد ذلك رجوعا؛ كأن يتصدق على قريب له بشيء, ثم يموت قريبه, ويكون هو وارثًا لهذا القريب, فإنه يتملك ما

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] المنتقى للباجي 2/ 309.

[2] الفواكه الدواني 2/ 155.

[3] شرح السنة للبغوي 6/ 209.

[4] إعلام الموقعين 3/ 240 - 241.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت