الصفحة 57 من 134

وعلى هذا فالجار والمجرور في موضع الصفة للكاتب") ( 77) "

"ففقه الكاتب , ومعرفته بأنواع الوثائق معنى مدمج في الجملة ، مقصود منها في النهاية ."

أما الأمر في الجملة فمتوجه إلى المتداينين , والسر في ذلك:"المبالغة في أمر المتعاقدين بالاستكتاب" ( 78 )

ولا أرى أن الأمر هنا للكاتب لأنه ليس منوطًا بالحكم , كما أنه إما أن يكون أجيرًا أو متفضلًا , وفي كلتا الحالتين لا يمكن أمره وإرغامه على الكتابة , لكن الأقرب إلى الفهم هو توجيه الأمر إلى المتداينين أن يبحثا عن كاتب فقيه عدل ليقوم بكتابة الدين , وهذا ما جعل الألوسي - رحمه الله - يقول:"والمراد أمر المتداينين على طريق الكناية , بكتابة عدلٍ , فقيهٍ , ديِّن ؛ حتى يكون ما يكتبه موثقوقًا به , متفقًا عليه بين أهل العلم" ( 79 )

وهو لا يعني هنا الكناية الاصطلاحية , وإنما أراد - كما أفهم - مخاطبة الكاتب وأمره بالكتابة عن طريق المتداينين .

ومن بلاغة ذلك إشعار الكاتب بأهمية الأمر , حتى يرفع الحرج عن المتداينين , ويلبي دعوتهما , ويكتب ؛ لأن رفضه قد يوقعهما في الحرج , لكنه على جميع الأحوال في حل من الأمر , وإن كان الأولى تلبية الطلب ؛ إذ ليس كل من كتب صالحًا لهذه المهمة ؛ لأن الجملة جاءت لتحديد الفقيه , وهذا بلا شك قيد آخر من القيود التي تكاد تعرقل إتمام مثل هذه المعاملات , وهو أمر مقصود , فوضع العقبات في هذا النوع من التعامل قُصد به التضييق عليه ؛ حتى لا يشيع , لما يترتب عليه من أضرار عند التساهل في ضوابطه .

ولقد جمعت الواو بين جملة"فاكتبوه"وجملة"وليكتب بينك كاتب بالعدل"؛ لأنهما من باب التوسط بين الكمالين ؛ فكل منهما أمر لفظًا ومعنى , وهذا الربط بالواو يشير إلى أن كل جملة من الجملتين تمثل خيطا من خيوط هذا النسيج الواحد , وهي خيوط متشابهة , متشاكلة ترسم في النهاية صورة وغرضًا واحدا تتشابك ملامحه , وتتعانق جوانبه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت