فهرس الكتاب
وهذا لا يكفي لمعرفة وجه اصطفاء الإدغام في قوله:"أو لا يستطيع أن يملّ هو", واصطفاء الفك في الباقي .
وبالنظر يتضح أن الإدغام جاء مع الإنسان العاجز عن الإملاء , وهو الذي لا يستطيع الإملاء , كأن في لسانه حُبسة , أو نحو ذلك , وهو لا يستطيع التوضيح والتفصيل ؛ ولذلك استخدم معه"يُملّ"بالإدغام ؛ ليرسم صورةً له ؛ حيث تتداخل ألفاظه , أو تنبهم معانيه ؛ ولذلك يوكل عنه من يقوم بالإملاء .
أما الآخران اللذان يستطيعان الإملاء ويباشران ذلك بأنفسهما فجاء الفعل معهما مفكوكًا ليصور قدرتهما على التوضيح والبيان .
وعلى هذا: كانت كل صورة من صور الفعل متناغية مع حالة المتكلم , وهذا توافق عجيب معجز , بين الفعل وفاعله .
فإن كان الفاعل فصيحًا , صريحًا يؤتى معه بالفعل صريحًا , وإن كان الفاعل في لسانه , أو عقله خلل من: احتباس , أو همهمة , أو غمغمة , أو سوء فهم , أو نحو ذلك , يؤتى معه بالفعل المدغم .
أثر التكرار في بناء جملة:"فليملل وليه بالعدل:"
وهذه الجملة هي جواب الشرط السابق ؛ أعني قوله:"فإن كان الذي عليه الحق سفيهًا , أو ضعيفًا , أو لا يستطيع أن يُملّ هو".
والذي يتبادر إلى الذهن من هذا الشرط هو التخفيف عنهم ؛ بأن يقال مثلًا: فلا حرج عليهم ألا يكتبوا ....أو نحو ذلك .
لكن جواب الشرط جاء بالإملال , وبصيغة المضارع المقترن بلام الأمر , وهي ألزم وأشد في الوجوب , وهذا يشير إلى أن وجوب الكتابة ليس مقصورًا على أحد دون أحد فلا تسامح في هذا الأمر , حتى وإن كان الذي عليه الحق سفيهًا , أو ضعيفًا أو لا يستطيع أن يمل .
وهذه الفاء هي الواقعة في جواب الشرط ؛ لأنه فعل أمر , والمجيء بالمضارع المقترن بلام الأمر يدل على أن الوجوب الكامن في الإملال الأول على الذي عليه الحق لم يُنقض , ولم يتسامح فيه , بل هو ما عليه من الإلزام , والفرضية .