الصفحة 82 من 134

يقول قتادة:"علِم اللهُ تعالى أن ستكون حقوق فأخذ لبعضهم من بعض الثقة , فخذوا ثقة الله تعالى , فإنه أطوع لربكم , وأدرك لأموالكم , ولعمري لئن كان تقيًا لا يزيده الكتاب إلا خيرًا , وإن كان فاجرًا فبالأحرى أن يؤدي إذا علم أن عليه شهودًا ( 114 ) "

والضلال هنا: النسيان - كما قال أبوعبيدة - معنى"تضل": تنسى , والضلال عن الشهادة إنما هو نسيان جزء منها , وذكر جزء , ويبقى المرء حيران بين ذلك , ضالًا , ومن نسي الشهادة جملة فليس يقال:"ضلَّ" ( 115) .

وقد جعل الزمخشري هذا اللفظ من قبيل المجاز المرسل ؛ حيث قال"أن تضل ... أي: إرادة أن تضل , فإن قلت: كيف يكون ضلالهما مرادا لله تعالى"؟

قلت: لما كان الضلال سببًا للإذكار , والإذكار مسببًا عنه , وهم ينزلون كل و احد من السبب , والمسبب منزلة الآخر ؛ لالتباسهما , واتصالهما كانت إرادة الضلال المسبب عنه الإذكار إرادة للإذكار , فكأنه قيل: إرادة أن تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت , ونظيره: - أعددت الخشبة أن يميل الحائط فأدعمه - , وأعددت السلاح أن يجيء عدو فأدفعه" ( 116) ."

والسؤال الذي يعنُّ من خلال السورة المجازية هو:

ما وجه البلاغة في إيثار"أن تضل"بدلًا من"أن تنسى"إذا كانا بمعنى واحد ؟

الذي أراه أن في الضلال معنى زائدًا وهو ترتب الهلاك على النسيان ؛ ولذلك"قيل: ضلت الناقة: إذا هلكت بضياعها , وفي القرآن الكريم ( وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ) (السجدة:10) أي: هلكنا بتقطع أوصالنا ... كما أن من معانيها: الضياع , يقال: هو ضال في قومه ؛ أي: ضائع , ومنه قوله تعالى:" ( وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى) (الضحى:7) ؛ أي: ضائعًا في قومك , لا يعرفون منزلتك ...

وقيل: الضلال بمعنى القصد إلى الشيء ؛ ( أن تضل ) ؛ أي تقصد إلى الشهادة فتذكرها الأخرى عونًا لها , وهذا من المقلوب المستفيض في كلامهم ... ( 117 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت