الصفحة 93 من 117

(( وجدت بمدينة حلب طائفة كثيرة يقال لهم الباشغردية ، شقر الشعور و الوجوه جدًا ، يتفقهون على مذهب أبي حنيفة - رضي الله عنه - ، فسألتُ رجلًا استعقلته منهم عن بلادهم و حالهم فقال: أما بلادنا فمن وراء القسطنطينية ، في مملكة أمة من الفرنج ، يقال لهم: الهنكر(1) ، و نحن مسلمون رعية لملكهم في طرف من بلاده نحو ثلاثين قرية ، كل واحدة تكاد أن تكون بليدة ، إلاّ أن ملك الهنكر لا يمكننا أن نعمل على شيء منها سورًا خوفًا من أن نسعصي عليه ، و نحن في وسط بلاد النصرانية ، و لساننا لسان الإفرنج ، و زينا زيهم و نخدم معهم في الجندية ، و نغزو معهم كل طائفة ، لأنهم لا يقاتلون إلا مخالفي

الإسلام . فسألته عن سبب إسلامهم ، مع كونهم في وسط بلاد الكفر ، فقال: سمعت جماعة من أسلافنا يتحدثون أنه قدم إلى بلادنا منذ دهر طويل سبعة نفر من بلاد البلغار ، وسكنوا بيننا ، وتلطفوا في تعريفنا ما نحن عليه من الضلال ، و أرشدونا إلى الصواب من دين الإسلام ، فهدانا الله و الحمد لله فأسلمنا جميعًا ، و شرح الله صدورنا للإيمان ، و نحن نقدم إلى هذه البلاد ، و نتفقه ، فإذا رجعنا إلى بلادنا أكرمنا أهلها و ولونا أمور دينهم .

فسألته: لم تحلقون لحاكم كما تفعل الإفرنج ؟ فقال: يحلقها منَّا المتجندون ، ويلبسون لبسة السلاح مثل الإفرنج ، أما غيرهم فلا . قلت: فكم مسافة ما بيننا و بين بلادكم ؟ فقال: من هاهنا إلى القسطنطينية نحو شهرين و نصف ، و من القسطنطينية إلى بلادنا مثل ذلك )) (2) .

(1) الهنكر: اسم يعرف به الشعب المجري القاطن في دولة المجر ، و المعروفة باسم هنكاريا حاليًا .

(2) ياقوت الحموي مُعجم البلدان: 1 / 469 - 470 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت