مَعَ تَكَافُؤِ وَجْهَيِ الدَّلَالَةِ الْمُتَعَارِضَيْنِ فِيهِ، وَلَوْ صَحَّ الْخَبَرُ مِنْ طَرِيقِ الرِّوَايَةِ كَانَ ظَاهَرَ اللَّفْظِ مِنْهُ مُتَأَوَّلًا عَلَى نَوْعٍ مِنَ الْمَجَازِ أَوْ ضَرْبٍ مِنَ التَّمْثِيلِ، قَدْ جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الْكَلَامِ بَيْنَ النَّاسِ فِي عُرْفِ تَخَاطُبِهِمْ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ عَلَى تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر: 67] أَيْ قَدَّرْتُهُ عَلَى طَيِّهَا، وَسُهُولَةُ الْأَمْرِ فِي جَمْعِهَا، وَقِلَّةُ اعْتِيَاصِهَا عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ جَمَعَ شَيْئًا فِي كَفِّهِ فَاسْتَخَفَّ حِمْلَهُ فَلَمْ يَشْتَمِلْ بِجَمِيعِ كَفِّهِ عَلَيْهِ لَكِنَّهُ يُقِلُّهُ بِبَعْضِ أَصَابِعِهِ، فَقَدْ يَقُولُ الْإِنْسَانُ فِي الْأَمْرِ الشَّاقِ إِذَا أُضِيفَ إِلَى الرَّجُلِ الْقَوِيِّ الْمُسْتَقِلُّ بِعِبْئِهِ: إِنَّهُ لَيَأْتِي عَلَيْهِ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ أَوْ أَنَّهُ يَعْمَلُهُ بِخِنْصَرِهِ، أَوْ أَنَّهُ يَكْفِيهِ بِصُغْرَى أَصَابِعِهِ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْكَلَامِ الَّذِي يُرَادُ بِهِ الِاسْتِظْهَارُ فِي الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَالِاسْتِهَانَةُ بِهِ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
[البحر السريع]
الرُّمْحُ لَا أَمْلَأُ كَفِّي بِهِ ... وَاللِّبْدُ لَا أَتْبَعُ تَزْوَالَهُ
يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يَتَكَلَّفُ أَنْ يَجْمَعَ كَفَّهُ فَيَشْتَمِلُ بِهَا كُلِّهَا عَلَى الرُّمْحِ لَكِنْ يَطْعُنُ بِهِ خِلْسًا بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ. قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ:"وَيُؤَكِّدُ مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ"