فهرس الكتاب

الصفحة 1955 من 3514

علاء الدين حواصله وأمواله، وآلات بيوته وغلاله، فلم يدع خبيثًا إلا أظهره، ولا مكتومًا إلا استخرج مضمره، حتى قال مماليكه: أين كان لنا هذا مخبوءًا، وما نرى هذا الصاحب إلا عدوًا.

ثم إنه استمر بدمشق إلى أن جاء الفخري وملكها، وسلك تلك الطريق التي سلكها، فتلقى الصاحب علاء الدين ذلك المهم الأعظم بصدره ونهض بعبئه الذي يعجز غيره عن دفع شره، وأراد ذلك المهم أموالًا يفوت الحصر عدها ونفقات يخجل البحار نقدها، ثم إنه استعفى من نظر الشام فأجيب، وخلص من الأمر العجيب، ثم إنه تولى أيام الكامل شعبان فعاد إلى دمشق ثانيًا، واتفق خروج يلبغا على السلطان وأصبح عن طاعته نائيًا، فكلفه إلى نظير ذلك المهم. وعاوده ذلك الخطب الملم:

وإذا خشيت من الأمور مقدرًا ... وفررت منه فنحوه تتوجه

ولما انقضى ذلك الخطب الذي عرى والحادث الذي دهم الورى، استعفى فأعفي، وحظه لا يمكن طرفه أن يغفي. ثم لما أن قتل يلبغا حضر الحوطة على موجوده، وضبط ما في أغوار حاصلة ونجوده، فقضى هذا المهم وأكمله، وفصل طلب الإعفاء من أمر دمشق وأجمله. وقال: ما أدري حظي من دمشق ما هو؟، والناس بمثل حسنها لم يضاهوا:

أظمتني الدنيا فلما جبتها ... مستمطرًا مطرت علي مصائبا

ولكنه في هذه المرات الثلاث، والكرات الخباث، يباشر بصلف زائد، وعفاف غضه بنسيم النزاهة مائد، لم يخن في قليل ولا كثير، ولا تعرض إلى فتيل ولا نقير. واشتهر بالأمانة عند الملوك، وصار خبره في ذلك كالشمس عند الدلوك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت