بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمْدُ للهِ, وأَشهد أَن لا إِله إِلا الله, وأَشهد أَن محمدًا رسول الله, اللهم صل وسلم عليه, وعلى آله, وعلى أَصحابه , ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين. أَما بعد: فَإِنَّ التَّحلي بالأَمانة العلمية في الطَّلب, والتَّحمل, والأَداء, والعَمل والبَلاغ, والبَحث, والتَّاليف: بُنْية الأَسَاسِ في صدق النية, وخلوصها من شَوْبِ الإِرادة لغير الله تعالى, لهذا فإِن العلماء - رحمهم الله تعالى - يبذلون فائق العناية بتلقين هذا الواجب الطلاب, وتصديره الآداب. قال العلامة الشيخ محمد الخضر حسين المتوفى سنة 1377 هـ - رحمه الله تعالى - [1] : (صلاح الأُمة في صلاح أَعمالها, وصلاح أَعمالها في صحة علومها, وصحة علومها أَن يكون رجالها أُمناء فيما يروون أَو يصفون, فمن تحدث في العلم بغير أَمانة فقد مس العلم بقرحة, ووضع في سبيل فلاح الأُمة حجر عثرة. لا تخلو الطوائف المنتمية إَلى العلوم من أَشخاص لا يطلبون العلم ليتحلوا بأَسنى فضيلة, أَو لينفعوا الناس بما عرفوا من حكمة, وأَمثال هؤلاء لا تجد الأَمانة في نفوسهم مستقرًا, فلا يتحرجون أَن يرووا ما لم يسمعوا, أَو يصفوا ما لم يعملوا, وهذا ما كان يدعو جهابذة أَهل العلم إِلى نقد الرجال, وتمييز من يسرف في القول ممن يصوغه على قدر ما يعلم, حتى أَصبح العلماء على بصيرة من قيمة ما يقرؤونه فلا تخفى عليهم منزلته, من القطع بصدقه أَو كذبه, أَو رجحان أَحدهما على الآخر, أَو احتمالهما على السواء) اهـ. وامتدادًا لهذا الحبل الموروث, شَهَرَ العلماء - من المفسرين والمحدثين, والفقهاء, والأُدباء, والمؤرخين, وغيرهم قَوْلَةَ الحق في كتبهم الكاشفة عن خلائق أَقوام في السطو, والانتحال, والكذب والتلبيس, والاختلاق: في نقل, أَو مسأَلة, أَو رسالة, أَو كتاب, وهكذا ... ومن تتبع الإَنتاج العلمي عَلِم. هكذا كان دأب أٌمناء الشريعة,
(1) (( رسائل الإِصلاح ) ): (1/ 13) .