وإذا لحقتها (ما) فقيل [222] : تكفُّها عن عملها، وقيل [223] : لا تكفّ، وتقدّر مع ما بعدها مصدريّةٌ مجرورةً بها، وهو الصحيحُ.
ومنها (حتّى) : ومعناها الغاية، وتجرّ الظاهر دون المضمر إلا في الشعر، نحو:
21-فلا واللهِ لا يُلْفَى أناسٌ
فتًى حتّاك يابن أبي يزيدِ [224]
وزعم بعضهم [225] أنّه غيرُ مخصوصٍ بالشِّعْرِ.
والاسم المجرور بها إمّا صريحٌ، كقوله تعالى:"حتّى مطلعِ الفجرِ" [226] ، وإمّا مؤوّل بـ (أن) لازمًا إضمارها، كقوله تعالى:"حتّى يتبيّنَ لكم" [227] ، وشرطها في جرّ الاسم الصريح بها أن يكون ما بعدها جزءًا ممّا قبلها، نحو: ضربتُ القومَ حتّى زيدٍ، أو كجزءٍ نحو:
22-ألقى الصحيفةَ كي يُخفّفَ رَحْلَهُ
والزادَ حتّى نَعْلَهُ ألقاها [228]
لأنّه في معنى: ألقى ما يثقله حتّى نعله.
ومنها (رُبَّ) على الصحيح [229] خلافًا للكسائيّ [230] وابن الطراوة [231] في أنّها اسمٌ.
ومعناها التقليل [232] ، وقيل: التكثير مطلقًا [233] ، وقيل:
في أماكن المباهاة والافتخار [234] ، وقيل: لا تدلّ على تقليلٍ ولا تكثيرٍ وضعًا [235] ، وإنما يفهم من السياق [236] .
وَتَجُرُّ النكرةَ، نحو: رُبّ رجلٍ أكرمته، والمضافَ إلى ضميرٍ مجرورٍ عائدٍ إلى مجرورها، نحو: ربّ رجلٍ وأخيه، والضميرَ مفردًا مذكّرًا مطلقًا مفسّرًا بنكرةٍ منصوبةٍ على التمييز، نحو: ربّه رجلًا، ورجلين، ورجالًا، وامرأةً، وامرأتين، ونساءً.
وأجاز الكوفيّون مطابقة التمييز للضمير [237] .
وتجرُّ مضمرةً بعد فاء الشرط، كقوله:
23-فإن أهلِكْ فذِي حَنقٍ لَظاهُ
تَكادُ عليَّ تَلْتَهِبُ الْتِهابا [238]
وفي الجرّ بها بعد (بل) نحو:
بل بلدٍ ذي [صُعُدٍ و] [239] أوصابْ [240]
وبعد الواو والفاء خلافٌ [241] .
[222] شرح التسهيل 3/171.
[223] الارتشاف 2/439.
[224] بيت من البحر الوافر لم أعثر على قائله. ويروى: يابن أبي زيادِ.
والبيت في كثير من كتب النحو منها: رصف المباني 261، المساعد 2/273، ضرائر الشعر 309، النكت الحسان 112، الخزانة 9/474.
[225] الكوفيّون والمبرّد. انظر: إيضاح المفصّل 2/45، شرح المفصّل لابن يعيش 8/326، جواهر الأدب 499، النكت
[226] القدر 5.
[227] البقرة 187.
[228] بيتٌ من البحر الكامل لأبي مروان النحويّ، وينسب إلى المتلمّس الضبعيّ، وهو في (ديوانه 327) .
انظر: الكتاب 1/50، شرح أبياته لابن السيرافيّ 1/411، الخزانة 3/21.
[229] هذا رأي البصريّين. انظر: الكتاب 1/420، 2/161، الأصول 1/334، شرح المفصّل لابن يعيش 8/26، التسهيل 147، الإنصاف 2/832، الجنى الداني 417.
[230] ينسب هذا الرأي إلى الكوفيّين، والكسائيُّ من زعمائهم، وإلى الأخفش.
انظر: الإنصاف 2/832، شرح التسهيل 3/174- 175، جواهر الأدب 452، الجنى الداني 417، المغني 179.
والكسائيّ هو: علي بن حمزة بن عبدالله الأسديّ الكوفيّ، أبو حمزة الكسائيّ، المتوفّى سنة 189هـ. ترجمته في: تاريخ العلماء النحويّين 190، إنباه الرواة 2/256.
[231] الارتشاف 2/455، ابن الطراوة النحويّ 142، وابن الطراوة هو: سليمان بن محمّد السبئيّ المالقيّ، أبو الحسين، ابن الطراوة، المتوفّى سنة 528هـ. ترجمته في: بغية الملتمس في تاريخ أهل الأندلس 290، بغية الوعاة 1/602.
[232] هذا مذهب أكثر النحويّين. انظر: المقتضب 4/138، المسائل والأجوبة 234، شرح التسهيل 2/175، المساعد 2/285، الارتشاف 2/455، الجنى الداني 417.
[233] رأي الخليل (العين 8/258) ، وابن درستويه (الارتشاف 2/455، الجنى الداني 418) .
[234] هذا رأي ابن السيد البطليوسيّ (المسائل والأجوبة 247) ، والأعلم الشنتمريّ (الهمع 4/175) .
[235] هذا اختيار أبي حيّان (الارتشاف 2/445) .
[236] في نسخة التحقيق: (السابق) . وهذا تصحيف.
[237] الأصول لابن السرّاج 1/338، أمالي ابن الشجريّ 3/47، شرح الكافية للرضيّ 2/329، النكت الحسان 112، الجنى الداني 425.
[238] بيت من البحر الوافر لربيعة بن مقروم الضبّيّ.
انظر: حماسة أبي تمّام 1/284، أمالي ابن الشجريّ 217، النكت الحسان 113، المغني 218، الخزانة 10/26، شرح أبيات المغني 4/34.
[239] ساقطة من نسخة التحقيق.
[240] بيتٌ من مشطور الرجز لرؤبة بن العجّاج (ديوانه 6) ، وروايته: (وأصبابْ) ، ولم أجد من رواه كرواية المؤلّف، ولكنْ رويتْ قافيتُهُ: (وآكامْ) .
انظر: اللسان (صبب) 1/517، النكت الحسان 113، المغني 182، شرح الأشمونيّ 3/299، حاشية الصبّان على شرح الأشمونيّ 2/232، الخزانة 10/32، شرح أبيات المغني 3/189.
[241] يري المبرّد أنّ الفاء والواو همّا الجارّان، ويرى غيره أنّ الجارّ هو (رُبَّ) المحذوفة.
انظر: المقتضب 2/346- 347، شرح التسهيل 3/189، المساعد 2/297، المغني 213، الجنى الداني 129- 130.