فهرس الكتاب
الله تعالى قد لاحظ ورود هذا الاحتمال وقوته، فاشترط في المرسل الآخر أن يكون مُرسِله أخذ العلم عن غير رجال التابعي الأول، كما حكاه ابن الصلاح [1] ، وكأن ذلك لَيغلب على الظن أن المحذوف في أحد المرسَلين هو غيره في المرسَل الآخر.
وهذه فائدة دقيقة لم أجدها في غير كلام الشافعي رحمه الله، فاحفظها وراعِها فيما يمر بك من المرسَلات التي يذهب البعض إلى تقويتها لمجرد مجيئها من وجهين مرسَلين، دون أن يراعوا هذا الشرط المهم.
ثم رأيت شيخ الإسلام ابن تيمية قد نصّ أيضًا على هذا الشرط في كلام له مفيد في أصول التفسير، نقله عنه الحافظ محمد بن عبد الهادي [2] في كتاب له مخطوط في الأحاديث الضعيفة والموضوعة (حديث 405/ 221) ، فقال ابن تيمية رحمة الله تعالى: «وأما أسباب النزول، فغالبها مرسل، ليس بمسند، لهذا قال الإمام أحمد: «ثلاث علوم لا إسناد لها. وفي لفظ: ليس لها أصل: التفسير، والمغازي، والملاحم» . [3] يعني أن أحاديثها مرسلة، ليست مسندة.
والمراسيل قد تنازع الناس في قَبولها وردها. وأصح الأقوال: أن منها المقبول، ومنها المردود، ومنها الموقوف، فمن عُلم من حاله أنه لا يرسل إلا عن ثقة قُبل مُرسَلُه، ومن عُرف أنه يُرسِل عن الثقة وغير الثقة، كان إرساله رواية عمن لا يُعرف حاله، فهو موقوف. وما كان من المراسيل مخالفًا لما رواه الثقات، كان مردودًا، وإن جاء المرسَل من وجهين، كل من الروايين أخذ العلم عن غير شيوخ الآخر، فهذا يدل على صدقه فإن مثل ذلك لا يُتصور في العادة تماثل الخطأ فيه وتعمد الكذب ... ».اهـ
(1) انظر: مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث، ص (33) .
(2) هو: محمد بن عبد الهادي التتوي، أبو الحسن، نور الدين السندي: عالم بالحديث والتفسير والعربية. أصله من السند ومولده فيها، وتوطن بالمدينة إلى أن توفي. له (حاشية على سنن ابن ماجه) و (حاشية على سنن أبي داود) و (حاشية على صحيح البخاري) و (حاشية على مسند الإمام أحمد) و (حاشية على صحيح مسلم) و (حاشية على سنن النسائي) و (حاشية على البيضاوي) وغير ذلك. (ت:1138 هـ) .انظر: الأعلام، للزركلي (6/ 253) .
(3) ذكره عن الإمام أحمد: الزركشي في البرهان في علوم القرآن (2/ 292) .