فهرس الكتاب
المطلب الثاني
اعتدال حال القاضي أثناء نظر الدعوى
اتفق الفقهاء [1] على أنه ينبغي للقاضي إذا أراد الجلوس للقضاء أن يخرج وهو على أعدل الأحوال لا جائع, ولا عطشان، ولا كسلان, ولا غضبان .... إلخ.
والدليل على ذلك ما رواه أبو بكرة (نفيع بن الحارث بن كلدة الثقفي) أنه كتب إلى ابنه وهو في سجستان أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان» [2] .
وجه الدلالة:
دلَّ النص على المنع من القضاء في حالة الغضب, وذلك لما يحصل بسببه من التشويش الموجب لاختلال النظر, وعدم استيفائه على الوجه الصحيح، وعداه الفقهاء بهذا المعنى إلى كل ما يحصل به تشويش الفكر كالجوع والعطش، وهو قياس مظنة على مظنة, فإن كل واحد من الجوع والعطش مشوش للفكر، ولو قضى مع الغضب والجوع لنفذ إذا صادف الحق، وقد ورد في بعض الأحاديث ما يدل على ذلك, وكان الغضب إنما خص لشدة استيلائه على النفس وصعوبة مقاومته [3] .
قال ابن حجر: «وقول الشيخ: وهو قياس مظنة على مظنة صحيح، وهو استنباط معنى دلَّ عليه النص, فإنه لما نهى عن الحكم حالة الغضب فهم منهم أن الحكم لا يكون إلا في حالة استقامة الفكر, فكانت علة النهي المعنى المشترك وهو تغير الفكر، والوصف بالغضب يسمى علة بمعنى أنه مشتمل عليه, فألحق به ما في معناه كالجائع [4] .
وإذا نظرنا إلى حال القضاة في العصور الزاهرة نجدهم أنهم كانوا يتجنبون القضاء بين الناس, والنظر في خصوماتهم في مثل تلك الأحوال، بل كانوا إذا شعر أحدهم بتغير نفسه إلى ما قد يؤدي إلى تعكيرها وتشويشها امتنع عن القضاء حتى يعود إلى نفسه اطمئنانها, والى قلبه وذهنه صفاؤهما [5] .
والدليل على ذلك ما يلي:
أ- روى البيهقي بسنده عن القاضي شريح ـ رحمه الله ـ أنه كان إذا غضب أو جاع قام فلم يقضِ بين أحد [6] .
وقال ابن القيم: «وما أحسن ما قال: ومن قصر النهي على الغضب وحده دون الهم المزعج, والخوف المقلق, والجوع والظمأ الشديد, وشغل القلب المانع من الفهم, فقد قلَّ فقهه وفهمه, والتعويل في الحكم على قصد المتكلم, والألفاظ لم تقصد لنفسها, وإنما هي مقصودة للمعاني المتوصل بها إلى معرفة مراد المتكلم, ومراده يظهر من عموم لفظه تارة, ومن عموم المعنى الذي قصده تارة أخرى, وقد يكون فهمه من المعنى أقوى، وقد يكون من اللفظ أقوى، وقد يتقاربان» [7] .
(1) «المبسوط» (16/ 78) «تبصرة الحكام» (1/ 35) «شرح الخرشي» (7/ 151) «نهاية المحتاج» (8/ 94) «المحلى» (9/ 365) .
(2) أخرجه البخاري في «صحيحه» كتاب الأحكام، باب هل يقضي القاضي, أو يفتي وهو غضبان؟ رقم 7158, مسلم في «صحيحه» كتاب الأقضية، باب كراهة قضاء القاضي وهو غضبان رقم 1717.
(3) «إحكام الأحكام عمدة الأحكام» (ص360) .
(4) انظر «فتح الباري بشرح صحيح البخاري» (15/ 35) .
(5) «نظرية الدعوى» (ص459) .
(6) «السنن الكبرى» للبيهقي (10/ 106) .
(7) «إعلام الموقعين» (1/ 166) .