لاشك بأن العلوم التي حوتها الحضارة الإسلامية كانت كثيرة جدًا في أعدادها، متنوعة تنوعًا عظيمًا في مواضيعها ومتعلقاتها، متفرعة إلى فروع عديدة وشعب شتى.. ومن هنا كان من الضروري أن نضع تصورًا جامعًا شاملًا حاصرًا لتلك العلوم ومواضيعها وفروعها، قبل أن نخوض فيما نحن بصدده من الحديث عن العلوم الإسلامية ذات الصلة بالدين من قريب أو بعيد.
ولعل أفضل من صور لنا تلك العلوم جملة الشيخُ الأزنيقي تلميذُ موسى بن محمودٍ الرومي، الشهير بقاضي زاده. فللأزنيقي هذا كتاب رفيع المنزلة أسماه (مدينة العلوم) رتبه على: مقدمة، وطرفين، وخاتمة، وذكر في المقدمة حصر العلوم على الإجمال في أصول سبعة، وتكلم في الكتاب على سبع دوحات ( والدوحة هي الشجرة المعروفة بكثرة أغصانها وفروعها وأوراقها) وكل واحدة من تلك الدوحات السبع في بيان أصل من الأصول السبعة، ثم ذكر في كل دوحة منها شعبًا لبيان الفروع.. وذلك لتقريب الصورة إلى أذهان القارئ بعد تشبيه كل مجموعة من العلوم بشجرة وفروعها وأغصانها.
ولنا هنا أن نستعرض جملة تلك العلوم من دوحاتها حسب تصنيف الأزنيقي.
فالدوحة الأولى: في بيان العلوم الخطية، ولها شعبتان: فالشعبة الأولى مثلًا تتعلق بكيفية صناعة الخط، وذكر فيها علم أدوات الخط، وعلم قوانين الكتابة، وعلم تحسين الحروف، وعلم إملاء الخط العربي، وعلم خط المصحف وغير ذلك.
والدوحة الثانية: في علوم تتعلق بالألفاظ، وهي التي تسمى بالعلوم الأدبية والعربية، وفيها ثلاث شعب. الأولى: تتعلق بالمفردات، والثانية: تتعلق بالمركبات، والثالثة: بفروعها.
وعلى سبيل المثال أورد الأزنيقي في شعبة المفردات علم مخارج الحروف، وعلم اللغة، وعلم الوضع، وعلم الاشتقاق، وعلم الصرف، وعلم النحو، وعلم المعاني، وعلم قرض الشعر، وعلم الإنشاء، وعلم التاريخ، وألحق بها علومًا شرعية كثيرة مثل: علم المغازي والسير، وعلم الطبقات، وعلم الأمثال.