فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 153

كذلك انشق التفسير على نفسه ، وأصبح أهله شعبتين: تتمسك إحداهما بالتفسير بالمأثور وتتحرر الأخرى من التزامه ، حتى تتركه وتطعن فيه ، وكان من الضروري لجبر هذا الصدع أن يخرج من أهل الأثر من ينصف أهل النظر في ما حملوا على التفسير بالمأثور من إفراط في الثقة بالنقلة وجزاف في سوق الأحاديث ، فقيض الله لهذا العمل إمام أهل الحديث وأميرهم: الإمام محمد بن إسماعيل البخاري.

وقد كان البخاري على وجه التقريب معاصرًا للطبري ، ورأينا في حديثنا الماضي أنهما اشتركا في كثير من الشيوخ ، فجعل البخاري أساس عمله في التفسير: اللغة بتحقيق معاني الألفاظ المحتاجة إلى بيان ، وضبط مراجع اشتقاقها ، ومواقع استعمالها ، وتحري ما هو مأثور عن الصحابة ، أو مرفوع للنبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ: من قول في معاني الآيات يجعله معلقًا على الثبوت من طرق ثبوت الحديث عنده ، بشروطه الضيقة الدقيقة في المتن والإسناد.فإن ورد بذلك الطريق التزمه وحدث به بأسانيده ، وإلا أبقاه على تعليقه غير ملتزم الأخذ به ، كما فعل ذلك بالنسبة إلى أخبار السنة ، وإن كان عمله هذا في أخبار التفسير أوسع.

وقد ألف على هذا المنهج تأليفًا مستقلًا سماه (التفسير الكبير) لم يصل إلينا ، ولا إلى أهل القرون التي مرت قبلنا ، وقد ذكره صاحب كشف الظنون ، وأسند ذكره إلى صاحب البخاري الإمام محمد بن يوسف الفربري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت