فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 153

كان تخرجه في أول أمره بعلوم الحكمة اليونانية ، ثم ضم إليها علوم الكلام ، والأصول ، والفقه على مذهب الشافعي ، وعلوم العربية ، فأصبح علمًا مفردًا في الجمع والمزج بين الفنون ، وسهولة هضم بعضها ببعض ، وبذلك علت سمعته وعظم صيته وتمكن من سلوك طريقة في التأليف والبحث والعرض ، انفرد بها ، وأفاد منها كل فن من خصائص الفن الآخر ، فأصبحت طريقته المنهج الثقافي التعليمي الذي عم أقطار الإسلام ، وسرى في لغات الثقافة الإسلامية كلها ، على توالي العصور.ومن هنالك أصبح معروفًا بلقب (الإمام) إذا أطلق عند المتكلمين والأصوليين انصرف إليه.

وعلى تلك الطريقة البديعة صدرت كتبه الكثيرة الجليلة المفننة في التفسير ، والكلام ، والأصول ، والفقه ، والنحو ، والأدب ، والفلسفة ، والطب ، والهندسة ، والفلك.

فكان بدروسه ومواعظه ، ومناظراته ، وكتبه مظهرًا لرقي الثقافة الإسلامية ومتانة أسسها ، وحجة قاطعة على انتصار المبادئ الإسلامية في كل ناحية من نواحي المعرفة ، اعتز الناس في حياته شرقًا وغربًا بعجيب عبقريته وشدت إليه الرحلة ، وتفنن في مديحه الشعراء ، واختص من بينهم بذلك شاعر الشام والرحالة شرف الدين بن عنين ، وقد كان من تلاميذه بمدرسة خوارزم ، وهو الذي يقول في رثائه:

ماتت به بدع تمادى عمرها

دهرًا وكان ظلامها لا ينجلي

وعلا به الإسلام أرفع هضبة

ورسا سواء في الحضيض الأسفل

وقد جعل الإمام الرازي غايته من تلك المنزلة العلمية العليا ، المتساوية الدرجات بين موارد الثقافة والمعرفة: أن يضع القرآن العظيم موضع الدراسة والبحث والتحليل على منهج يرى تفوق الحكمة القرآنية على سائر الطرائق الفلسفية ، وانفرادها بهداية العقول البشرية إلى غايات الحكمة ، من طريق العصمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت