فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 153

وبذلك فإن تفسير البيضاوي ، على ما يبدو عليه من اختصار ، وما يتبادر لمتناوله بادئ الرأي من بساطة ، قد أصبح كتابًا عميق الغور ، صعب المراس ، ثري المطاوي ، محتاجًا تقريره إلى الرجوع إلى مواده ، وبخاصة أصليه العظيمين: تفسير الزمخشري وتفسير الرازي ، فأصبح تدريسه ميدانًا للملكات الراسخة ، ومجالًا لقوة العوارض ، ونفوذ الأنظار ، وسمو البيان ، وتتابعت العناية به لذلك: تدريسًا ، وتخريجًا ، وتأليفًا ، فزيادة على الكتب التي ترجع إليه أصالة من الحواشي والتعاليق ، التي لا تكاد تدخل تحت حصر ، فإنه ما من مفسر للقرآن في القرن السابع وما بعده ، إلا وتفسير البيضاوي في طليعة مراجعه.

قيمة تفسير البيضاوي

اعتبر تفسير البيضاوي ، مبلغ المنهج العلمي في تفسير القرآن ، إلى ذروته.

فكان بروزه عندما اكتمل نمو الثقافة الإسلامية ، وتفتقت فيها أفانين المعرفة ، وتفتحت أزهارها.

وكان انبناؤه على أساس الحكمة السنية الأشعرية ، التي ثبت أصلها ، ورسخت دعائمها ، بما بوأ لها الباقلاني ، والإسفرايني ، وإمام الحرمين ، والغزالي ، والمازري ، وابن العربي ، وعياض ، والإمام الرازي: من منزلة مكينة تساقطت دونها منازل المناهج الكلامية المخالفة ، حتى اندرجت تحت التراب.

وكان المنهج المتبع في تصنيف البيضاوي ، والأسلوب المحتذى في تحريره: هما المنهج والأسلوب اللذين جرى عليهما مصطلح التآليف العلمية في عامة الفنون ، من أول القرن السابع: من حيث الاختصار ، ودقة التعبير ، والتزام المصطلح العلمي ، والإشارة إلى ما يتفرع عن التعبير من معان يُكتفى بحضورها في الذهن عن ذكرها ، ثم تؤخذ مباني لما يأتي به التعبير بعدها..

فأصبح من مجموع هذه الخصائص لتفسير البيضاوي ميزة واضحة ، مزجت بين طريقته ومألوف الطباع ، ومتعلق الميول يومئذ: من طرائق شاعت في التأليف ، وبنيت عليها المناهج الدراسية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت