الصفحة 14 من 17

إن التسارع إلى تفسير القرآن بظاهر العربية، من غير استظهار بالسماع والنقل فيما يتعلق بغرائب القرآن وغيرها؛ مُوقِعٌ في الخطأ، فمن لم يُحكّم ظاهر التفسير وبادر إلى استنباط المعاني بمجرد فهم العربية كثر غلطه، ودخل في زمرة من قال برأيه المذموم (20) .

واعتماد اللغة فقط دون غيرها من المصادر، هو أحد أسباب الخطأ الذي يقع في التفسير، كما حكى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (21) .

4 -أن يكون له رأي فيتأول القرآن على وفق رأيه (22) :

ويكثر هذا عند أهل الأهواء والبدع، حيث أنهم يعتقدون الرأي، ثم يبحثون عن دليله، وقد يحرّفون الكلم عن مواضعه ليوافق آراءهم، ولو لم يكن لهؤلاء هذا الاعتقاد والرأي لما فسر القرآن بهذه التفسيرات المنحرفة.

ويقع خطأ أولئك على أقسام:

الأول: الخطأ في الدليل والمدلول: وذلك أن المفسر يستدل لرأيه بدليل، ويكون رأيه الذي استدل له باطلٌ فيستلزم بطلان دلالة الدليل على المستدل له.

ومثال ذلك أن المعتزلة اعتقدوا أن الله ـ سبحانه ـ لا يُرى في الآخرة، وهذا باطل، ثم استدلوا لهذا بقوله ـ تعالى ـ: (( لَن تَرَانِي ) ) [الأعراف: 143] فجعلوا (( لَن ) )لتأبيد النفي، وهذا غير صحيح في هذا الموضع.

ومثاله ـ كذلك ـ استدلال بعض المتصوفة على جواز الرقص ـ وهو حرام ـ بقوله ـ تعالى:

(( ارْكُضْ بِرِجْلِكَ ) ) [ص: 42] (23) .

فالرّقص حرام، والآية لا تدل عليه لا من قريب ولا من بعيد.

الثاني: الخطأ في الاستدلال لا في المدلول: وفي هذا يكون المدلول بذاته صحيحًا، ولكن حَمْل الآية عليه لا يصح.

ومثاله ما فسر به بعضهم قوله ـ تعالى ـ: (( إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي إلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ) ) [البقرة: 249] .

حيث قال: (هذه الآية مَثَلٌ ضربه الله للدنيا، فشبهها الله بالنهر، والشارب منه بالمائل إليها المستكثر منها، والتارك لشربه بالمنحرف عنها والزاهد فيها، والمغترف بيده غرفة بالآخذ منها قدر الحاجة، وأحوال الثلاثة عند الله مختلفة) (24) .

فهذا الكلام ـ من حيث هو في ذاته مجردًا عن الآية ـ كلام صحيح، ولكنّ جَعْلَهُ تفسيرًا للآية خطأٌ ظاهرٌ، ولذا قال القرطبي (ت: 671) معلقًا على هذا القول: (ما أحسن هذا لولا ما فيه من التحريف في التأويل، والخروج عن الظاهر، ولكن معناه صحيح من غير هذا) (25) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت