الصفحة 17 من 35

من الحرام فوق ما تقتضيه الضرورة [1] ، ولذا وضع العلماء شروطًا لا يجب الخروج عنها في حالة اضطرار العبد إلى التقية وهي [2] :

1.يشترط في جواز التقية أن يكون هناك خوف من هلاك النفس أو العرض، وتردد البعض في المال، فإن لم يكن هناك خوف ولا خطر لم يجز ارتكاب المحرم تقية، قال الجصاص: (( قوله صلى الله عليه وسلم لعمار: (( إن عادوا فعد ) )، إنما هو على وجه الإباحة لا على وجهة الإيجاب ولا على الندب وقال أصحابنا الأفضل أن لا يعطى التقية ولا يظهر الكفر حتى يقتل )) [3] ، من هنا يتضح ما قدمنا من أن من قال باستحباب التقية عند القتل قد أبعد وإنما الأمر مباح، وهو دون المستحب، وهذا الذي يترجح من قول الجصاص، وهو الراجح من مذهب الحنابلة، قال القاضي أبو يعلى: (( الأفضل أن لا يعطى التقية ولا يظهر الكفر حتى يقتل واحتج بقصة عمار وخبيب بن عدى حيث لم يعط خبيب أهل مكة التقية حتى قتل فكان عند المسلمين أفضل من عمار والله أعلم ) ) [4] .

2.تدل آية (التقية) أن هذا الأمر مخصوص عند غلبة الكفار، أو غلبة الفسق والفجور والظلم في دار الإسلام، فلا بأس بالتقية لعصم الدماء، قال ابن مسعود: (( ما من كلام أتكلم به بين يدي سلطان يدرأ عني به ما بين سوط إلى سوطين إلا كنت متكلمًا به ) ) [5] ، وقال السرخسي: (( وإنما أراد بيان جواز التقية في إجراء كلمة الكفر إذا أكرهه المشرك عليها، فالظالم هو الكافر، قال تعالى: {وَالْكَافِرُونَ هُمْ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 254] ) ) [6] .

3.أن يعلم أنه إنْ نطق بالكفر ونحوه تقية يترك بعد ذلك، وهذا الاشتراط منقول عن الإمام أحمد , فقد سئل عن الرجل يؤسر فيعرض على الكفر ويكره عليه , هل له أن يرتد؟ - أي ظاهرًا - فكرهه كراهة شديدة وقال: (( ما يشبه هذا عندي بالذين أنزلت فيهم الآية من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أولئك كانوا يرادون على الكلمة ثم يتركون يفعلون ما شاءوا , وهؤلاء يريدونهم على الإقامة على الكفر وترك دينهم ) ) [7] ، وقال ابن مفلح: (( وكأنه يشير إلى قصة عمار حين أخذه المشركون وأرادوه على الشرك ... ) ) [8] . وعلق ابن قدامة على كلام الإمام أحمد بقوله: (( وذلك لأن الذي يكره على كلمة يقولها ثم يخلى لا ضرر فيها , وهذا المقيم بينهم يلتزم بإجابتهم إلى الكفر المقام عليه واستحلال المحرمات وترك الفرائض والواجبات وفعل المحظورات والمنكرات وإن كان امرأة تزوجوها واستولدوها أولادا كفارا، وكذلك الرجل، وظاهر حالهم المصير إلى الكفر الحقيقي والانسلاخ من الإسلام ) ) [9] . ثم احتج بقصة أصحاب الأخدود التي تقدمت، قال الحسن البصري في الحث على الثبات وعدم الأخذ بالتقية: (( إنما التقية رخصة، والفضل القيام بأمر الله ) ) [10] ، وخلاصة ما تقدم في هذه الفقرة أن على المسلم المقيم بين ظهراني الكفار إن أجبر على الكفر مرة أن يظهر ذلك تقية، ولكن هذا الأمر ليس على إطلاقه، فإن كان هؤلاء يصرون على أجراء أحكام الكفر عليه، بحيث لا يبقى للإسلام رسم في قلبه، فعليه حينئذ الهجرة من هذه الدار والهروب من هؤلاء القوم بدينه وإيمانه، وهذا ما سنبينه في الفقرة الآتية.

4.ويشترط لجواز التقية أن لا يكون للمكلف مخلص من الأذى إلا بالتقية , وهذا المخلص قد يكون الهرب من القتل أو القطع أو الضرب , وقد يكون التورية عند الإكراه على الطلاق , وعدم الدهشة وهذا عند بعض الفقهاء ويكون ذلك باللسان دون القلب أو اليد كما هو مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما [11] , وقد تكون الهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، فإن أمكنته الهجرة لم يكن له موالاة الكفار وترك إظهار دينه لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 97] ، قال الآلوسي: (( اعتذروا عن تقصيرهم في إظهار الإسلام وعن إدخالهم الخلل فيه وعن العجز عن القيام بواجبات الدين بأنهم كانوا مقهورين تحت أيدي المشركين , وأنهم فعلوا ذلك كارهين، فلم تقبل الملائكة عذرهم لأنهم كانوا متمكنين من الهجرة , فاستحقوا عذاب جهنم لتركهم الفريضة المحتومة ) ) [12] ، ومقتضاه أن من كان مقهورا لا يقدر على الهجرة حقيقة لضعفه أو لصغر سنه وسواء

(1) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن: 5/ 15.

(2) الموسوعة الفقهية، مصدر سابق.

(3) أحكام القرآن: 5/ 13.

(4) القواعد والفوائد الأصولية: ص 49.

(5) ابن أبي شيبة، المصنف: 6/ 474.

(6) المبسوط: 24/ 47.

(7) المغني: 9/ 31.

(8) المبدع: 7/ 256.

(9) المصدر نفسه: 9/ 31.

(10) مصنف ابن أبي شيبة: 6/ 474.

(11) مصنف ابن أبي شيبة: 6/ 474.

(12) روح المعاني: 5/ 126.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت