1305 - سعدُ بن إبراهيمَ بن عبدِ الرَّحمنِ بن عوفٍ، أبو إبراهيمَ، وقيل: أبو إسحاقَ الزُّهريُّ المدنيُّ قاضِيها./
أخرجَ البخاريُّ في الأطعمةِ والجنائزِ وغيرِ موضعٍ عن يحيى بن سعيدٍ الأنصاريِّ ومِسْعَرٍ وشعبةَ والثَّوريِّ عنهُ، عن عبدِ اللهِ بن جعفرٍ وأبيهِ وسعيدِ بن المسيِّبِ وعروةَ وأبي سلمةَ وابن المنكدرِ ومحمَّدٍ ونافعٍ ابني جبيرِ بن مُطْعِمٍ وعبدِ الرَّحمنِ بن هرمزَ.
قال عمرُو بن عليٍّ: ماتَ سنةَ ستٍّ وعشرين ومائةٍ.
قال أبو حاتِمٍ: هو ثقةٌ، وقالَهُ أحمدُ بن حنبلٍ ويحيى بن معينٍ.
قال أبو بكرِ بن أبي خَيْثَمَةَ: وحدَّثنا أحمدُ عن يعقوبَ بن إبراهيمَ بن سعدٍ، قال: تُوفي سعدُ بن إبراهيمَ، وهو ابنُ ثنتينِ وسبعينَ، وسمعتُ أبي يقولُ: بينَهُ وبين الزُّهريِّ قريبٌ.
قالَ يعقوبُ: ماتَ سعدُ بن إبراهيمَ سنةَ سبعٍ وعشرينَ، وقال مرَّةً: سنةَ ستٍّ وعشرينَ بعد الزُّهريِّ بسنتين.
قالَ أبو بكرٍ: حدَّثني أبي: حدَّثنا يعقوبُ بن إبراهيمَ: حدَّثنا أبي قال: سَرَدَ سعدٌ الصَّومَ قبلَ أن يموتَ أربعينَ سنةً./
قال ابْنُ البَرْقِيِّ: سألتُ يحيى بن مَعِيْنِ عن قولِ النَّاسِ في سعدِ بن إبراهيمَ أنَّهُ كان يرى القدرَ، وتركَهُ مالكٌ فقالَ: لم يكنْ يرى القدرَ، وإنما تركَ مالكٌ الرِّوايةَ عنه لأنه تكلَّمَ في نسبِ مالكٍ، فكان لا يروي عنهُ، وهو ثبتٌ لا شكَّ فيهِ.
وقال ابنُ حنبلٍ: لم يلقَ أحدًا من الصَّحابةِ غيرَ ابنَ عمرَ.
قال أبو حاتِمٍ الرَّازيُّ: قال عليُّ بن المدينيِّ: كان سعدُ بن إبراهيمَ لا يحدِّثُ بالمدينةِ فلذلكَ لم يكتبْ عنهُ أهلُ المدينةِ، ومالكٌ لم يكتبْهُ عنهُ، وإنما سَمِعَ شعبةُ وسفيانُ منهُ بواسطٍ، وسمعَ منهُ ابنُ عُيَيْنَةَ بمكَّةَ شيئًا يسيرًا.
وقالَ عبدُ الرَّحمنِ بن أبي حاتِمٍ: روى عنهُ يحيى بن سعيدٍ الأنصاريُّ وأيُّوبُ، وفي الجُملةِ إنَّ قول يحيى بن معينٍ أنَّ مالكًا تركَ حديثَهُ لطعنِهِ في نسبِهِ على ظاهرهِ، ولو تركَهُ مالكٌ لذلكَ مع رِضَا أهلِ المدينةِ به لحدَّثَ عنهُ سائرُ أهلِ المدينةِ، وقد تركَ جميعُهم الروايةَ عنهُ في قولِ جماعةِ أهلِ الحفظِ من أئمَةِ أهلِ الحديثِ، وما تَقَدَّمَ ذكرُهُ من أن يحيى بن سعيدٍ الأنصاريَّ روى عنهُ فيَسِيْرٌ جدًّا مثلَ ما أخذَ الصَّاحبُ عن الصَّاحبِ، لأنَّهُ نظيرُهُ في السِّنِّ ولعلَّهُ روى عنهُ حديثًا عرفَ صحَّتَهُ وسلامتَهُ أو لعلَّهُ أخذ عنهُ قبلَ طَعْنِهِ في نسبِ مالكٍ، ثم سافرَ إلى العراقِ وحدَّثَ هناكَ ولم يعلمْ ما أحدثَ بعدَهُ، ورأي الجمهورُ أولى بهِ، والظاَّهرُ أن أهلَ المدينةِ إنَّما اتَّفقُوْا على تركِ الأخذِ عنهُ، إما لأنه قد طعنَ في نسبِ مالكٍ طعنًا استحقَّ بهِ عندَهم معًا التَّركَ، وقد تركَ شعبةُ الروايةَ عن أبي الزُّبيرِ المكِّيِّ، ولا خلافَ أنه أحفظُ من سعدِ بن إبراهيمَ وأكثرُ حديثًا، وجَرَّحَهُ بأنْ قال: رأيتُهُ وَزَنَ فأرجَحَ، وطعنُ سعدٍ في نسبِ مالكٍ أعظمُ إثمًا مع ما يختصُّ بهِ من وجوبِ الحدِّ الذي يمنعُ قبولَ الشَّهادةِ، ويحتملُ أن يكونوا اتَّفقوا على تركِ الأخذِ عنهُ، لما لم يرضوا حديثَهُ فعندِي أنه ليسَ بالحافظِ، وقد أغربَ بما لا يحتملُهُ عندِي حالُهُ مع قلَّةِ حديثِهِ،/ ولعلَّ ذلكَ كان من قِلَّةِ حفظِهِ، وإن كان البخاريُّ قد أخرجَ عنهُ حديثَهُ عن الأعرجِ عن أبي هريرةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ صلَّى الله عليه وسلم كَانَ يَقْرَأُ في الجُمُعَةِ فِي صَلاةِ الفَجْرِ: {الم تَنْزِيْلُ} [السجدة: 1 - 2] ، وَ {هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ} [الدهر: 1] » ، وهذا الحديثُ مما انفردَ بهِ، ولم يُتَابَعْ عليهِ من طريقٍ صحيحٍ مع تركِ الناسِ العملَ بهِ، ولا سيِّمَا أهلُ المدينةِ ولو كانَ مما يُحْتَجُّ بهِ لتُلُقِّيَ بالعملِ به من جميعِ أهلِ المدينةِ أو بعضَهُم إذ هو من حديثِهَا، ولكانَ عندَ أبي الزِّنَادِ أو غيرِهِ من أصحابِ الأعرجِ ممَّنْ هو أروى عن الأعرجِ منهُ، وقولُ ابن معينٍ وابنِ حَنْبَلٍ فيهِ ثقةٌ يُحتملُ أن يُريدَ به أنه من أهلِ الثِّقَةِ في نفسِهِ مُرِيْدٌ للخيرِ ولا يقصُدُ التَّحريفَ ولا يستجيزُهُ، ولا نعلمُ له خَرْبَةً تُوْجِبُ ردَّ حديثِهِ غيرَ قِلَّةِ علمِهِ بالحديثِ أو لطعنِهِ في نسبِ مالكٍ، وقد ذكرَ مالكٌ أنَّهُ أدركَ بالمدينةِ جماعةً ممن يُؤْتَمَنُ على عظيمِ المالِ لم يأخذْ عن أحدٍ منهم؛ لأنُّهم لم يكونوا من أهلِ هذا الشأنِ، يُريدُ العلمَ بنقلِ الرِّوايةَ، وقد يَسْتَعْمِلُ يحيى بن معينٍ وابنُ حنبلٍ وأبو زُرْعَةَ الثِّقَةَ في مَن هذهِ صِفَتُهُ وإن كانَ لا يُحْتَجُّ بحديثهِ، ولذلكَ قالَ ابنُ مَعِيْنٍ وابنُ حنبلٍ
ص 152
في محمَّدِ بن إسحاقَ: هو ثقةٌ، ولكن لا يُحْتَجُّ بحديثهِ،/ وقد تَقَرَّرَ ذلكَ لهما ولغيرِهما في غيرِ ما رجلٍ، ومن تَأَمَّلَ هذا في كتابِنَا وغيرِهِ وجدَهُ كثيرًا، وغيرُهم من أهلِ الحديثِ لا يقولُ: ثقةٌ، إلا في من يُحتجُّ بحديثهِ، ولذلكَ قال عبدُ الرَّحمنِ بن مهديٍّ لما سُئِلَ عن أبي خالدٍ الدَّالانيِّ: أهو ثقةٌ؟ فقال: هو مسلمٌ هو خيارٌ، الثِّقةُ شعبةُ وسفيانُ.
وأما قولُ عليِّ بن المدينيِّ: كان لا يحدِّثُ بالمدينةِ فمن هذا البابِ أيضًا يُحتملُ أن يكونَ لا يُحَدِّثُ بها لما شَمَلَهُمْ من تركِ الأخذِ عنهُ، إمَّا لأنَّهُ لم يكن من أهلِ هذا الشأنِ أو لأنَّهم عَلِمُوْا من طعنِهِ في نسبِ مالكٍ ما أوجبَ ذلكَ، ولذلكَ أنكرَ أهلُ النَّسبِ هذا القولَ وأثبتوا نسبَ مالكٍ على ما كان ينتسبُ إليهِ، فقالَ مصعبُ بن عبدِ اللهِ: حدَّثني أبي عن أبيهِ مصعبٍ، قال: ذُكِرَ لعامرِ بن عبدِ اللهِ بن الزُّبيرِ مالكُ بن أنسٍ وأعمامُهُ وأهلُ بيتِهِ، فقالَ: أمَا إنَّهم من اليمنِ، أما إنَّهم من العربِ ذو قرابةٍ بالنَّضرِ بن يَرِيْمَ.
وقد أَثْبَتْنَا نسبَهُ في باب مالكٍ والوجهَ الذي به نسبُهُ إلى ولاءِ التَّيميينِ من تَعَدَّى أو أخطأَ، وكان من أخذَ عن سعدِ بن إبراهيمَ من الأئمةِ من غيرِ أهلِ المدينةِ لم يعرفوا من حالِهِ ما عرفَهُ أهلُ بلدِهِ من قِلَّةِ حفظِهِ أو مما أوجبَ عندَهم تركَ حديثِهِ من طَعْنِهِ في نسبِ مالكٍ على وجهٍ يُوْجِبُ ذلكَ، وقد أخذَ مالكٌ مع كثرةِ تَوَقِّيْهِ وانتقائِهِ وعلمِهِ عن عبدِ الكريمِ بن أبي المُخَارِقِ البصريِّ، وتركَهُ أهلُ البصرةِ؛ أيُّوبُ وغيرُهُ، فكانَ القولُ قولهُم فيهِ لما كانوا أعلمَ بحالِهِ، وقد تركَ مالكٌ محمَّدَ بن إسحاقَ وأخذَ عنهُ شعبةُ وحَسَّنَ القولَ فيهِ، فكان القولُ قولَ مالكٍ لأنَّهُ كان من أهلِ بلدِهِ وكان أعلمَ بهِ/ ولا أذهبُ إلى أن سعدَ بن إبراهيمَ يجري مجْرَى محمَّدِ بن إسحاقَ، فإن سعدَ بن إبراهيمَ أحسنُ حديثًا وأكثرُ تَوَقِّيًا وأظهرُ تَدينًا، ومحمَّد بن إسحاقَ أوسعُ علمًا وكذلكَ لا أقولُ إن سعدَ بن إبراهيمَ يبلغُ عندِي مبلغَ التَّرْكِ، ولكني أَهَابُ من حديثِهِ مثلَ ما ذكرتُهُ ولا يحتملُ عندِي الانفرادَ بهِ؛ فإن كانَ مالكٌ وأهلُ المدينةِ تركوا الأخذَ عنهُ لأنه لم يكن عندَهم من أهلِ هذا الشَّأنِ فهو الذي ذهبتُ إليه من حالِهِ، والذي ظهرَ إليَّ من قِلَّةِ حديثِهِ مع ما فيهِ مما لا يحتملُهُ مثلُهُ، كالحديثِ الذي ذكرتُهُ فلا أرى الاحتجاجَ بهِ فإنْ كانَ أهلُ المدينةِ تركوهُ لطعنِهِ في نسبِ مالكٍ على وجهٍ يُوْجِبُ رَدَّ حديثِهِ فالأمرُ أشدُّ فيهِ، واللهُ أعلمُ.