الدين بإدخال الباطل فيه ، أو إخراج الحق منه ، فإن كان ذاك الرجل واسع الرواية أو كثير البيان لأحوال الرواة ، أو جامعًا للأمرين كان الأمر أشد جدًا كما يعلم بالتدبر ، ولولا أن أُنسب إلى التهويل لشرحت ذلك ، فما بالك إذا كان الطعن بغير حق في عدد كثير من الأئمة والرواة يترتب على الطعن فيهم - زيادة على محاولة إسقاط رواياتهم - محاولة توثيق جم غفير ممن جرحوه ، وجرح جم غفير ممن وثقوه .
ففي ( التأنيب ) الطعن في زهاء ثلاثمائة رجل تبين لي أن غالبهم ثقات ، وفيهم نحو تسعين حافظًا ، وجماعة من الأئمة ، فكم ترى يدخل في الدين من الفساد لو مشى للأستاذ ما حاوله من جرحهم بغير حق ؟! على أن الأمر لا يقف عندهم فإن الأستاذ يحاول الرد بالاتهام ، والتهم غير محصورة ، فيمكن كل من يهوى رد شيء من النقل أن يبدي تهمة في رواته وموثقيهم ، فيحاول إسقاطهم بذلك ، بل يعيد (1) الملحدون الإسلام نفسه ذريعة لاتهام كل من روى من المسلمين ما يثبت النبوة والقرآن ونحو ذلك ، ولا يقنعون بالآحاد ، بل يساورون المتواترات بزعم التواطؤ والتتابع لاتفاق الغرض ، لو كان هذا الطعن من رجل مغمور أو غير مشهور بالعلم أو غير متبوع لهان الخطب ، ولكنه من رجل مشهور ينعته أصحابه بأمثال ما كتب على لوح كتابه ( تأنيب الحطيب ) الذي طبع تحت إشرافه بتصحيحه (( تأليف الإمام الفقيه المحدث ، والحجة الثقة المحقق العلامة الكبير.. ) )ويلي ذلك كلمة الناشر وترجمة المؤلف بتلك الألقاب الضخمة والعبارات الفخمة (2) ، ويتبعه الحنفية وهم كما يقول السواد الأعظم ، ويتابعه في الجملة كل من تخالف السنة هواه من غلاة المقلدين وأتباع المتكلمين وعباد القبور ، ويعتضد كلامه الملحدون .
بلى إن في أفاضل علماء الحنفية أنفسهم جماعة يمقتون تصرف الأستاذ ، ولكن تصدهم عن رفع أصواتهم بالإنكار عليه موانع هم أعلم بها . والله المستعان .##
(1) كذا الأصل ، ولعله ( يتخذ ) .
(2) مه أنه يشير في صفحة 14 من ( الترحيب ) إلى كتب ابن خزيمة وعثمان بن سعيد الدارمي وعبد الله بن أحمد بن حنبل ويقول: (( طبع منها تحت ظلال الحرية ... بعد نسج هالات من التبجيل حول أسماء مؤلفيها تمهيدًا للإضلال بأقاويلهم ) )!