فهرس الكتاب
عبّر بالدخول، دخل يدخل، فعل عادي، لكن دلالة واضحة، والكناية هنا عن الجماع.
تأمل في قوله تعالى: {وَكَيْفَ تَاخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ} (النساء: من الآية21) .
والإفضاء: هو الدخول إلى فضاء الشيء، هكذا في اللغة، أفضى، والله -عز وجل- يكني والمقصود واضح، والله حيي كريم.
وهكذا تجد مثلًا في الآيات في شتى المناسبات، تأتي لتذكر العبارات التي هي في غاية الأدب، وتأمل قوله: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} (النساء: من الآية43) .
ما هو الغائط؟ المكان المنخفض في اللغة، ولكنه أراد الأحداث الخارجة من المَخرَجَين، فلما كان التصريح مستبشعًا جاء بهذا التعريض، لأنه إذا أراد قضاء الحاجة التمس المكان المنخفض حتى لا يُرى، وفي السنة كثير من هذا، وقد عبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالعسيلة تارة، وفي مناسبة أخرى قال: (( فإذا أبصر أحدكم امرأة فليأتي أهله ) ).
فعبّر بالإتيان، تأمل في قوله -عز وجل- {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} (البقرة: من الآية223) .
فعبّر بالحرث وهو الزرع، وهكذا الرفث.
وقد عقد أصحاب الحديث في كتبهم عناوين لهذا، واستخرج العلماء فوائد من هذا، وقد تطبّع الصحابة نساءً ورجالًا بهذا الأدب القرآني والنبوي، فهذه زوجة عبد الله بن عمرو بن العاص التي زوّج عمرو بن العاص ابنه منها، جاء الأب ليتعهد كنتّه، فيسألها عن بعلها، وكان عبد الله بن عمرو بن العاص معروفًا بقوة العبادة والنشاط فيها حتى ربما أتى ذلك على نصيب أهله، فسألها عن زوجها فتقول: خَيْرُ الرِّجَالِ، لَمْ يَطَا لَنَا فِرَاشًا وَلَمْ يُفَتِّشْ لَنَا كَنَفًا مُنْذُ أَتَيْنَاهُ. [أَرَادَتْ بِذَلِكَ الْكِنَايَة وهذا من أدبها] ، ثم تدخّل الأب لإصلاح الموضوع.
وحتى أهل اللغة، تجدهم في كتبهم يعقدون فصولًا للكناية اللطيفة عما يستقبح من ذكره ويستحيى، كما تجده في فقه اللغة للثعالبي، والمنتخب للجرجاني.