فهرس الكتاب
ثم تأمل قوله {وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ} كيف دل على أن ذلك#
ضلال، وهؤلاء القانونيون يرونه من الهدى، كما دلت الآية على أنه من إرادة الشيطان، عكس ما يتصور القانونيون من بعدهم من الشيطان، وأن فيه مصلحة الإنسان فتكون على زعمهم مرادات الشيطان هي صلاح الإنسان، ومراد الرحمن، وما بعث به سيد ولد عدنان معزولًا من هذا الوصف، ومنحى عن هذا الشأن. وقد قال تعالى منكرا على هذا الضرب من الناس، ومقررا ابتغاءهم أحكام الجاهلية، وموضحا أنه لا حكم أحسن من حكمه: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُون} [1] فتأمل هذه الآية الكريمة وكيف دلت على أن قسمة الحكم ثنائية، وأنه ليس بعد حكم الله تعالى إلا حكم الجاهلية. الموضح أن القانونيين في زمرة أهل الجاهلية، شاؤوا أم أبوا بل هم أسوأ منهم حالا وأكذب منهم مقالا وذلك أن أهل الجاهلية لا تناقض لديهم حول
هذا الصدد.
وأما القانونيون فمتناقضون، حيث يزعمون الايمان بما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويناقضون ويريدون ان يتخذوا بين ذلك سبيلا، وقد قال الله تعالى في أمثال هؤلاء {أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا} [2] ثم انظر كيف ردت هذه الآية الكريمة على القانونيين ما زعموه من حسن زبالة أذهانهم، ونحاتة أفكارهم، بقوله عز وجل {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} قال الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية: ينكر تعالى على من خرج من حكم الله المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات، التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم"جنكيز خان"الذي وضع لهم كتابًا مجموعًا من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية، والنصرانية، والملة الإسلامية، وغيرها.
وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه
(1) سورة المائدة آية 50. (*) انظر تفسير ابن كثير 2/ 67.
(2) سورة النساء آية 151.