الصفحة 423 من 471

إن الكمبيالة غالبًا ما تكون مستحقة الدفع بعد مدة من تاريخ تحريرها، وتظهر هذه المدة في صيغتها، فعندئذٍ تكون مؤجلة، وقد تكون واجبة الدفع بمجرد الاطلاع عليها، بحيث يستطيع الحامل أن يقدمها للمسحوب عليه في نفس الوقت واليوم الذي حُررت فيه، فعندئذٍ تكون الكمبيالة حالَّة، يقابل ذلك في الحوالة أنها قد تكون مؤجلة إذا كانت بدين مؤجل، وقد تكون معجلة إذا كانت بدين حالّ، غاية ما هنالك، أن الكمبيالة إذا كانت مؤجلة، فإن تاريخ استحقاقها يجب أن يظهر في الصيغة بخلاف الحوالة (1) .

إن الكمبيالة يجوز تداولها عرفًا من جهة المستفيد بالتظهير، سواء كان التظهير تامًّا ناقلًا للملكية (2)

(1) أحكام عقد الصرف: سلامة ص 422.

(2) ينبغي التنويه إلى أن التظهير التام الناقل للملكية في الكمبيالة له صورتان ؛ كالتالي.

أ ـ أن تُظّهَّر الكمبيالة تظهيرًا تامًا في مقابلة ثمن مساوٍ لقيمتها: بمعنى أن يحصِّل المُظَهِّر قيمة الكمبيالة كاملة من المُظَهَّر إليه، وهذه الصورة جائزة، وتحمل معنى الحوالة في التداول.

ب ـ أن تُظّهَّر الكمبيالة تظهيرًا تامًا في مقابلة ثمن أقل من قيمتها: وهذه الصورة تعرف بعملية الخصم أو (الحسم) في الكمبيالة، ومضمونها أن الحامل بيده كمبيالة مستحقة الدفع بعد ثلاثة شهور مثلًا، فيقوم بتظهيرها تظهيرًا تامًّا ناقلًا للملكية قبل ميعاد استحقاقها إلى مصرف (أو سواه) مقابل أن يحصل المُظَهِّر على قيمتها مخصومًا منها مبلغًا يُسمى سعر الخصم، ويتكون من ثلاثة عناصر هي:

الفائدة على المبلغ المدفوع إلى المظهر على المدة من يوم إجراء الخصم إلى ميعاد استحقاق الكمبيالة.

عمولة المصرف عن العملية: وقد تكون نسبة من قيمة الكمبيالة.

مصاريف تحصيل الكمبيالة: ويقصد منها تغطية نفقات الانتقال، والإخطارات البريدية وغيرها.

ويكون حامل الكمبيالة ضامنًا للمظهر إليه (المصرف أو سواه) قيمتها.

وبالنظر إلى عملية الخصم من الناحية الشرعية، تبيَّن أنها لا تعدو أن تكون شكلًا من أشكال إقراض النقود بفائدة، فهي قرض من المُظَهَّر إليه (المصرف أو سواه) إلى المظهر أو المستفيد، يحصل المُظَهَّر إليه (وهو المصرف أو سواه) في مقابله على فائدة ربوية نظير دفع قيمة الورقة التجارية لحاملها قبل حلول ميعاد الاستحقاق، وإن قيام المصارف التقليدية بعملية الخصم إنما هو في إطار سياستها العامة في الإقراض بالفائدة الربوية نظير الأجل، فالمصرف لا يقصد شراء الورقة التجارية (الكمبيالة) إنما يقرض المستفيد (المُظَهِّر) مبلغًا من المال بضمان هذه الورقة (الكمبيالة) بالفائدة المذكورة، وعلى ذلك فليس= =عملية الخصم إلا عملية ربوية، مهما تبدَّلت الأسماء والأشكال، إذ العبرة في العقود للمقاصد والمعاني، لا للألفاظ والمباني، فلا يسوغ شرعًا إسباغ صفة الحوالة عليها ؛ لأن الحوالة إذا كانت تجيز تقاضي كلٍ من العمولة ومصاريف التحصيل ؛ لأن كلًا منها مقابل لخدمات حقيقية قدمها المصرف، فإنها لا تقوى على إباحة الفائدة، ولو أن المُظَهَّر إليه (المصرف أو سواه) اكتفى بأخذ العمولة ومصاريف التحصيل لكان هذا أجرًا نظير قيامه بالتحصيل، وكان دفع قيمة الكمبيالة قبل موعد استحقاقها من باب القرض الحسن، الذي لا تعرفه المصارف الربوية، ولَما خرجت عن كونها حوالة.

والحل كبديل إسلامي أن المُظَهَّر إليه (المصرف أو سواه) ينبغي أن يعتبر هذه العملية على أساس القرض الحسن، وذلك بأن يلتزم أحكام القرض، ولا يأخذ أكثر مما دفعه من قيمة الكمبيالة، وإن كان له أن يأخذ منه بدل ما أنفقه من مصاريف حقيقية في تحصيل الورقة، سواء ذلك في إنشاء السجل الخاص بالخصم، أو متابعة المسحوب عليه، وانقضاء الدَّين فيه، ويلتزم المظهر (طالب الخصم) أو المقترض برد ما أخذه من المُظَهَّر إليه (المصرف أو سواه) إذا لم يفِ المسحوب عليه بقيمة الكمبيالة في موعد استحقاقها لضمانة قيمتها، وإذا تحقق ذلك تصير المعاملة إلى الحوالة. انظر: الأوراق التجارية في الشريعة الإسلامية: محمد سراج ص 102 ـ 106، المعاملات المالية المعاصرة في الفقه الإسلامي: محمد شبير ص 207 ـ 208، العقود الشرعية الحاكمة: عبده ص 264، 266.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت