الصفحة 54 من 97

وإنما صلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم إجراء له على حكم الظاهر وهو الإسلام، ولما فيه من إكرام ولده عبد الله، وكان من خيار الصحابة وفضلائهم، وهو الذي عرض على النبي أن يقتل أباه لما قال مقالته يوم غزوة بني المصطلق (1) كما ذكرنا، ولما فيه من مصلحة شرعية، وهو استئلاف قومه ومتابعيه، فقد كان يدين له بالولاء فئة كبيرة من المنافقين، فعسى أن يرعووا عن نفاقهم ويعتبروا ويخلصوا لله ولرسوله، ولو لم يجب صلى الله عليه وسلم ابنه وتكر الصلاة عليه قبل ورود النهي الصريح، لكان سبُّه عارًا، ونجد البصيرة الإيمانية التي نزل القرآن الكريم مؤكدًا لها؛ فإن ذلك يدل على تنامي تلك البصيرة وما يصاحبها من شفافية واستبصار على ابنه وقومه، فالرسول الكريم اتبع أحسن الأمرين في السياسة إلى أن نهي فانتهى.

(1) - غزوة بني المصطلق أو المريسيع: كانت في شعبان سنة ست، وكان سببها أن بني المصطلق -الذي ساعدوا قريشًا على حرب المسلمين في أحد بقيادة رئيسهم الحارث بن ضرار -قد اجتمعوا لحرب رسول الله، فلما بلغ الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك خرج إليهم في سبعمائة من أصحابه وساروا إليهم حتى دهموهم وهم عند ماء لهم يسمى (( المريسيع ) )، وهم غارّون وأنعامهم تسقى على الماء، وغنم المسلمون غنائم كثيرة ألفي بعير وخمسمائة آلاف شاة، هذا عدا السبايا من النساء والسارى من الرجال، وكان من بين السبايا يومئذ السيدة جويرية بنت الحارث سيد بني المصطلق التي تزوجها الرسول صلى الله عليه وسلم، فأعتق بتزويجه إياها مائة من أهل بيت المصطلق، وأسلم بنو المصطلق عن طواعية جميعًا، وصاروا أعوانًا للمسلمين بعد أن كانوا عليهم. انظر: غزوة بني المصطلق في ابن هشام: السيرة النبوية4/289- 296.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت