رضا أحمد صمدي
تمهيد:
استقر في الأوساط العلمية عند المسلمين مبدأ الإسناد في النقول، واعتمده المحدثون آلية لنقل وحفظ النصوص الشرعية، وانتشرت الرواية بالأسانيد في كل البلاد، وأينما حل المسلمون أو ارتحلوا وفي كل بلد فتحوها وأقاموا البناء العلمي فيه معتمدا على التقليد الذي استقر وهو الإسناد.
ومن جراء ذلك كثرت الأسانيد والطرق المهلة للنصوص، كما كثر في الأوساط العلمية الرواة النقلة الذين قد تضعف ملكتهم في رعاية وحفظ تلك النصوص.
فانتبه الجهابذة المحدثون في وقت مبكر إلى هذا الخلل الذي ابتدأ يظهر في المرويات والأسانيد، فابتكروا آلية أخرى لتنقية هذه الأسانيد مما داخلها من خلل، إذ رأوا أن الخلل إنما هو من الرواة الذين ضعفت ملكتهم أو قدح في عدالتهم بما لا يؤمن تأديتهم للرواية على الوجه المأمون من الانتحال والتحريف فنشأ منذ ذلك الحين علم الجرح والتعديل.
قال صديق حسن خان: «وعلم الجرح والتعديل يبحث فيه جرح الرواة وتعديلهم بألفاظ مخصوصة، وعن مراتب تلك الألفاظ، وهذا العلم من فروع علم رجال الأحاديث ولم يذكره أحد من أصحاب الموضوعات مع أنه فرع عظيم» . (1)
وقد أفرده الحاكم علما مستقلا من علوم الحديث وشرح بعض فصوله في كتابي:
(1) - الخطة في ذكر الصحاح الستة. صديق حسن خان. تحقيق علي الحلبي ص150. أما الجرح في اللغة فمصدر جرح بابه قطع والاسم الجرح، وجرح اكتسب لكننه غير مراد هنا. فاستعير الجرح بمعنى إحداث القطع في الجسم للجرح في الراوي بمعنى اتهامه بما يخل بعدالته أو ضبطه. (أنظر: مختار الصحاح، الجرح) . والتعديل من عدل تعديلا أي تقويم الشيء، وتعديل الشهود تقول: إنهم عدول. واستعير في هذا الباب بمعنى الثناء على الراوي بما يقتضي اعتباره عدولا، والعدل في اللغة هو المرضي أيضا. (أنظر: مختار الصحاح. عدل) .