تمهيد
استشكل البعض ما جاء في القرآن من دعوة لأخذ الجزية من أهل الكتاب، وذلك في قوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} [1] ، ورأوا - خطأً - في هذا الأمر القرآني صورة من صور الظلم والقهر والإذلال للشعوب التي دخلت في رعوية الأمة المسلمة.
ولا ريب أن القائل قد ذهل عن الكثير من التميز الذي كفل به الإسلام حقوق أهل الجزية، فقد ظنه كسائر ما أثر عن الحضارات السابقة واللاحقة له، فالإسلام في هذا الباب وغيره فريد عما شاع بين البشر من ظلم واضطهاد أهل الجزية، كما سيتبين لنا من خلال البحث العلمي المتجرد النزيه.
أولًا: الجزية في اللغة
الجزية في اللغة مشتقة من مادة (ج ز ي) ، تقول العرب:"جزى، يجزي، إذا كافأ عما أسدي إليه"، والجزية مشتق على وزن فِعلة من المجازاة، بمعنى"أعطوها جزاء ما منحوا من الأمن"، وقال ابن المطرز: بل هي من الإجزاء"لأنها تجزئ عن الذمي". [2]
ثانيًا: الجزية قبل الإسلام
لم يكن الإسلام بدعًا بين الأديان، كما لم يكن المسلمون كذلك بين الأمم حين أخذوا الجزية من الأمم التي دخلت تحت ولايتهم، فإن أخذ الأمم الغالبة للجزية من الأمم المغلوبة أشهر من علم، فالتاريخ البشري أكبر شاهد على ذلك.
وقد نقل العهد الجديد شيوع هذه الصورة حين قال المسيح لسمعان:"ماذا تظن يا سمعان؟ ممن يأخذ ملوك الأرض الجباية أو الجزية، أمن بنيهم أم من الأجانب؟ قال له بطرس من الأجانب. قال له يسوع: فإذًا البنون أحرار" (متى 17/ 24 - 25) .
والأنبياء عليهم السلام حين غلبوا على بعض الممالك بأمر الله ونصرته أخذوا الجزية من الأمم المغلوبة، بل واستعبدوا الأمم المغلوبة، كما صنع النبي يشوع مع الكنعانيين حين تغلب عليهم"فلم يطردوا الكنعانيين الساكنين في جازر. فسكن الكنعانيون في وسط افرايم إلى هذا اليوم وكانوا عبيدًا تحت الجزية" (يشوع 16/ 10) ، فجمع لهم بين العبودية والجزية.
(1) سورة التوبة: 29.
(2) الجامع لأحكام القرآن (8/ 114) ، المغرب في ترتيب المعرب (1/ 143) ، وانظر مختار الصحاح (1/ 44) .