الصفحة 22 من 63

والدليل عليه: أن التأبيد يفيد الدوام والاستمرار قطعًا في الخبر كما في تأبيد أهل الجنة والنار ، قال عبد العزيز البخاري رحمه الله: (( حتى أن من قال بجواز فناء الجنة والنار وأهلهما وحمل قول الله تعالى { خالدين فيها أبدًا} (1) على المبالغة ينسب إلى الزيغ والضلال ، فكذا في الإحكام ، إذ لا فرق بين دلالة اللفظ على الدوام لغة في الصورتين )) (2) .

وخلاصة هذا: يجب أن نعلم أن هذا الخلاف بين الفريقين غير مستمر ، لأنه لم يوجد في الأحكام الشرعية حكم مقيد بالتأبيد أو التوقيت ونسخت شرعيته في وقت الرسالة ، وأيضًا لا يمكن أن يتصور وجوده بعد زمن الرسالة كما قلنا ، فلا ينطوي على قاعدة فقهية ولكن للعلم والدراسة الأصولية جاء تفصيله في كتب الأصوليين .

المبحث الرابع:

في جواز النسخ قبل الفعل

اختلف الأصوليون في جواز نسخ الأمر قبل التمكن من الامتثال وذلك كما لو قال الشارع في رمضان (( حجوا هذه السنة ) )، ثم قال قبل يوم عرفة (( لا تحجوا ) )وهم على مذاهب:

المذهب الأول:

الجمهور: ذهب الأشاعرة وأكثر أصحاب الشافعي ، وأكثر الفقهاء إلى جواز النسخ قبل التمكن من الامتثال وحجتهم

الدليل الأوّل: قوله تعالى: { يمحو الله ما يشاء ويثبت } (3) دل على أنه يمحو كل ما شاء محوه على كل وجه ، فيدخل فيه محو العبادة قبل دخول وقتها ، وقد أجيب على هذا الدليل إنه لا دلالة فيه ، لأن الآية تدل على محو كل ما شاء محوه ، و ليس فيها ما يدل على أنه يشاء محو العبادة قبل دخول وقتها ، مع كون ذلك ممتنعًا عند الخصم ، وإن بين إمكان مشيئته ذلك بغير الآية ، ففيه ترك الاستدلال بالآية ، كيف وأنه قد أمكن حمل المحو على ما هو حقيقة فيه ، وهو محو الكتابة مما يكتبه الملكان في المباحات وبقية المعاصي والطاعات . (4)

(1) 67) النساء /57/

(2) 68) كشف الأسرار 3/317 .

(3) 69) الرعد /39/

(4) 70) الإحكام 3/116/

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت