ولم تكن أحوال أهل الحارة بأحسن حال من سكان القرى قريبة كانت أم بعيدة ، حتى تشمل البلاد العربية ، لأن مثل هذه الحال فُرضت على الأمة العربية منذ قرون طويلة ، مبتدئة من العهد العباسي ، حيث ظهر في الجيش تياران متنافسان:
-الأول: هو الفرس .
-والثاني: هو العرب .
وكانت الغلبة للفرس على العرب ، وانتزعت الصلاحيات الموكلة للعرب في شؤون الدولة ، وشيدت كيانها على أكتاف الفرس وتدبيرهم وطرد كل من يتكلم العربية خارج خرا سان .
-وظهر تيار ثالث هو: الأتراك الذين جلبوا غلمانًا عبيدًا من منطقة ما وراء النهر .
-وفي عهد المأمون سقطت قيادات العرب وزالت رياستها وذهبت مراتبها ، حتى أن الجيش لم يعد فيه جندي عربي واحد .
-وفي خلافة المتوكل قدم الأتراك وعمدوا إلى إحياء روح العصبية القبلية ، وخلق الفتنة بين القيسية واليمنية وجعلهم أحزابًا متحفزين للاقتتال .
-وفعل الفاطميون في مصر فعل العباسيين ، فاستخدموا الترك والسودان ومن إليها وأقصوا العرب .
فاضطر العنصر العربي أن يرجع إلى حياة البداوة مبتعدًا عن العلم والتقدم والحضارة وعاد إلى ما كان عليه قبل الإسلام من عصبية قبلية ، وتمزق وتشتت وفرقة ، القوي منهم يأكل الضعيف دون رحمة أو شفقة ، وكثرت غارات النهب والسلب ، حتى اعتبروا العنصر العربي مقلقًا للراحة يلزمه تأديب وتأنيب ونسوا أنهم من سلب حقه في جميع شؤون الحياة.