فهرس الكتاب

الصفحة 3188 من 4262

2815 - أحدُها: من رواية أبي عثمانَ النَّهديِّ عنه: أنَّ أصحابَ الصُّفَّةِ [1] كانوا أُناسًا فقراءَ، وأنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال مرَّةً: «من كان عندَه طعامُ اثنين فليذهبْ بثالثٍ، ومن كان عندَه طعامُ أربعةٍ فليذهبْ بخامسٍ [2] ، بسادسٍ _أو كما قال_ وإنَّ أبا بكرٍ جاء بثلاثةٍ، وانطلق النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعشرةٍ [3] ، وقال: فهو أنا وأبي وأُمِّي _ولا أدري هل قال: وامرأتي_ وخادمٌ بيننا وبين بيت أبي بكرٍ [4] .

وإنَّ أبا بكرٍ تعشَّى عند النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ثم لَبث حتَّى صلَّى العِشاء، ثم رجَع فلَبث حتَّى تعشَّى رسول الله _وفي رواية ابن مُعاذٍ: حتَّى نَعِس رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم _ فجاء بعدما مَضى مِن اللَّيل ما شاءَ الله.

قالت له امرأتُه: ما حبَسكَ عن أضيافِكَ؟ أو قالت: ضَيفِك، قال: أوَ ما عشَّيتِيهم؟ قالت: أبَوا حتَّى تجيء، وقد عَرضوا عليهم، قال: فذهبت أنا فاختبأتُ، فقال: يا غُنْثَرُ [5] ! فجدَّعَ [6] وسبَّ، وقال: كُلوا، لا هنيئًا، وقال: والله لا أَطعَمُه أبدًا، قال: وَايمُ الله ما كُنَّا نأخذ من لُقمةٍ إلَّا رَبا من أسفلِها [7] أكثرُ منها، حتَّى شَبِعوا

ج 3 ص 192

وصارت أكثرَ ممَّا كانت قبل ذلك، فنظر إليها أبو بكرٍ فإذا هي كما هي أو أَكثرُ، فقال لامرأتِه: يا أُختَ بني فِراسٍ، ما هذا؟ قالت: لا، وقُرَّةِ عيني، لَهِيَ الآنَ أكثرُ منها قبل ذلك بِثلاث مرَّاتٍ، فأكل منها أبو بكرٍ، وقال: إنَّما كان ذلك مِن الشَّيطان _يعني يمينَه_ ثم أكَل منها لُقمةً، ثمَّ حملها إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأصبحتْ عندَه.

قال: وكان بيننا وبين قومٍ عهدٌ، فمضَى الأجلُ، فتفرَّقنا اثني عشرَ رَجُلًا، مع كلِّ رَجلٍ منهم أُناسٌ، الله أعلمُ كمْ معَ كلِّ رَجلٍ، فأكَلوا منها أجمعونَ»، أو كما قال. [خ¦602]

وهو من رواية سُليمانَ التَّيميِّ عن أبي عثمانَ مُختصر، قال: قال عبدُ الرَّحمنِ: «جاء أبو بكرٍ بضيفٍ له أو أضيافٍ له فأمسى عند النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلمَّا جاء قالت له أمِّي: احتبَسْتَ عن ضيفِك _أو: أضيافِك_ اللَّيلةَ، قال: أمَا عشَّيتِهم؟ فقالت: عَرضْنا عليه أو عليهم، فأبَوا _أَو: أبَى_ فغضِب أبو بكرٍ، فسبَّ وَجدَّع، وحلَف لا يَطعَمُه، فاختبأتُ أنا، فقال: يا غُنْثَرُ [8] ، فحَلَفت المرأةُ لا تَطعَمُه، فحَلَف الضَّيفُ _أو الأضياف_ ألَّا يطعَمَه _أو يَطعمُوه_ حتَّى يطعَمَه، فقال أبو بكرٍ: هذه من الشَّيطانِ، فدعا بالطَّعامِ فأكَل وأكلُوا، فجَعلُوا [9] لا يرفَعونَ لُقمةً إلَّا رَبت مِن أسْفلِها أكثرَ منها، فقال: يا أُخت بني فِراسٍ [10] ؛ ما هذا؟ فقالت: وقرَّةِ عَيني، إنَّها الآن لأكثرُ قبل أن نأكُل، فأكلُوا، وبعَث بها إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فذكَر أنَّه أكَل منها» . [خ¦6141]

وفي رواية سَعيدٍ الجريريِّ عن أبي عثمانَ عن عبدِ الرَّحمنِ: أنَّ أبا بكرٍ تضيَّف رَهطًا، فقال لعَبدِ الرَّحمنِ: دُونَك أضيافَك، فإنِّي مُنطَلقٌ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فافرُغْ مِن قِرَاهُم قبل أنْ أجيءَ، فانطَلَق عبدُ الرَّحمنِ فأتاهم بما عندَه، فقال: اطعَمُوا، فقالوا: أين ربُّ مَنزِلِنا؟ قال: اطعَمُوا، قالوا: ما نحنُ بآكلينَ حتَّى يجيءَ ربُّ مَنزِلِنا، قال: اقبَلُوا عنَّا قِرَاكم [11] ، فإنَّه إن جاء ولم تَطعَمُوا لَنلْقِينَّ منه، فأبَوا، فعرفت أنَّه يَجدُ عليَّ، فلمَّا جاء تنحَّيتُ عنه، قال: ما صَنعتُم؟ فأخبرُوه، فقال: يا عبدَ الرَّحمنِ؛ فَسكتُّ، ثم قال: يا عبدَ الرَّحمنِ؛ فَسكتُّ، فقال: يا غُنثَرُ [12] ؛ أقسمتُ عليك إن كنت تسمعُ صوتي لمَّا جِئتَ، فخَرجتُ، فقلت: سَل أضيافَك، فقالوا: صَدق، أتانا به، قال: فإنَّما انتظرتُمُوني، والله لا أطعَمُه اللَّيلةَ، فقال الآخرون: والله لا نطعَمُه حتَّى تَطعَمَه، قال: لم أرَ في الشَّرِّ كاللَّيلة، ويْلَكُم، ما لكم لا تقبلُون عنَّا قِراكُم؟ هاتِ طعامَك، فجاء به، فوضَع يدَه فيه [13] فقال: باسم الله، الأُولى للشَّيطان، فأكل وأكلُوا [خ¦6140] .

وفي حديث سالمِ بن نُوحٍ عن الجُريريِّ نحوُه، وزاد: قال: «فلمَّا أصبَح غدا على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: يا رسولَ الله؛ بَرُّوا وحنِثتُ، قال: وأخبرَه، فقال: بل أنت أبرُّهم وأخيَرُهم [14] . قال: ولَم تبلُغْني كفَّارةٌ» [15] .

[1] الصُّفَّةُ: موضعٌ مظلَّلٌ من المسجدِ كانَ الفقراءُ يأوونَ إليهِ. (ابن الصلاح نحوه) .

[2] صححها في (ابن الصلاح) .

[3] في هامش (ابن الصلاح) : (بلغوا سماعه في المجلس الأول في رجب في سنة ثمان وعشرين وست مائة على تقي الدين ابن الصلاح) .

[4] كذا في هامش (ابن الصلاح) وفيه: (بيننا وبين القوم) .

[5] غُنْثَرُ: كلمةٌ يقولُها الغاضبُ إذا ضاقَ صدُره من شيءٍ جرَى على غيرِ ما أرادَ، قالَ بعضُ أهلِ اللغةِ: أحسبُه الثَّقيلَ الوخمَ، وقيلَ: هو الجاهلُ، والغُثَارةُ: الجهلُ، يقالُ: رجلٌ غَثْرٌ والنونُ زائدةٌ. (ابن الصلاح نحوه) .

[6] في هامش (ابن الصلاح) : (فجَدَّعَ أي خاصَم) . ووقع في «الغريب» : المجادَلةُ: المخاصَمةُ، وهو تصحيف.

[7] ربا من أسفلِها: أي؛ زادَ وارتفعَ، وكلُّ شيءٍ زادَ وارتفعَ وكثرَ فقدْ ربا يربُو فهو رابٍ، ومنهُ قولُه: {أَخْذَةً رَّابِيَةً} [الحاقة:10] : أي؛ زائدةً على الأخَذَاتِ. (ابن الصلاح نحوه) .

[8] في هامش (ابن الصلاح) : (سع: غَُنْثَرُ معًا في هذا الموضع) .

[9] في (ابن الصلاح) : (فكانوا) .

[10] صحَّحها في (ابن الصلاح) .

[11] القِرى: الضيافةُ. (ابن الصلاح) .

[12] استشكله في (ابن الصلاح) ، وضبطه القاضي عياض بضم الغين والثاء، وعن بعضهم بفتح الثاء، وعن بعضهم بالوجهين، وذكر الخطابي فيه عن النسفي فتح العين والتاء: (عنتر) وفسَّره بالذباب الأزرق، والصحيح الأول ومعناه فيهما: يا لئيم يا دني تحقيرًا له. «مشارق» 2/ 136

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت