فهرس الكتاب

الصفحة 3376 من 4262

2927 - الثَّاني: من رواية عبد الرَّحمنِ بن شِماسَةَ المَهريِّ قال: حضَرنا عمرَو بن العاص وهو في سِيَاقَةِ الموتِ يبكي طويلًا، وحَوَّلَ وجهه إلى الجدارِ، فجعَل ابنُه يقول له: «ما يُبكِيك يا أبَتَاه، أمَا بَشَّرك رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بكذا؟ أما بشَّرك رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بكذا؟ قال: فأقبَل بوجهِه فقال: إنَّ أفضَل ما نُعِدُّ شهادةُ أن لا إله إلَّا الله،/ وأنَّ محمَّدًا رسولُ الله، إنِّي كنْتُ على أطباقٍ [1] ثلاثٍ:

لقد رأيتُنِي وما أحدٌ أشدَّ بُغضًا لرسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم منِّي، ولا [2] أحبَّ إليَّ أن أكونَ قد استَمْكَنتُ منه فقتَلتُه، فلو مِتُّ على تلك الحالِ لكنتُ من أهلِ النَّار.

فلمَّا جعَل الله الإسلامَ في قلبِي أتيتُ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقلتُ: ابسُط يدَك فلأُبايِعك، فبَسَطَ يمينَه، قال: فقبَضتُ يدِي، فقال: ما لك يا عَمرو؟ قال: قلت: أردتُ أن أشتَرط، قال: تشترِطُ ماذا؟ قلتُ: أن يُغفَرَ لي. قال: أمَا علمْتَ أنَّ الإسلامَ يهدِمُ ما كان قبلَه، وأنَّ الهِجْرَةَ تَهدمُ ما كان قبلها، وأنَّ الحجَّ يهدمُ ما كان قبلَه. وما كان أحدٌ أحَبَّ إليَّ مِن رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولا أحلَى في عَينَيَّ منه، وما كنتُ أُطِيقُ أن أملَأ عينَيَّ منه إجلالًا له، ولو سُئِلْتُ أن أصفَهُ ما أطقْتُ لأنِّي لم أكُن [3] أملَأُ عينَيَّ منه، ولو مِتُّ على تلكَ الحالِ لرجَوت أن أكون من أهل الجنَّة».

ثمَّ وَلِينا أشياءَ ما أدري ما حالي فيها!

فإذا أنا مِتُّ فلا تصحَبْني نائحةٌ ولا نارٌ، فإذا دفَنتموني فسُنُّوا عليَّ التُّراب سَنًَّا [4] ، ثم أقيموا حول قبري قدر ما تُنحَرُ جزور ويُقسَمُ لحمها حتَّى أستأنِسَ بكم، وأنظرَ ماذا أراجعُ به رسلَ ربِّي./

ج 3 ص 234

[1] الأطباقُ: الأحوالُ، واحدها طبق.

[2] كتب فوقها في (ابن الصلاح) : (أي أحدٌ) ؛ يعني: (ولا أحدٌ) .

[3] في (ظ) : (لأني ما كنت .. ) .

[4] في (ت) : (فشنوا عليَّ التراب شنًا) . سُنُّوا عليَّ الترابَ سنًا: أي؛ صبُّوه صبًَّا، والشَّنُّ الصَّبُّ مع تفريقٍ. (ابن الصلاح نحوه) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت