فهرس الكتاب

الصفحة 3408 من 4262

2954 - الثَّاني: عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ عبدِ ربِّ الكعبةِ الصائِديِّ قال: دخلتُ المسجدَ فإذا عبدُ الله بنُ عمرِو بنِ العاصِ جالسًا في ظلِّ الكعبةِ والنَّاسُ مجتمعون عليه، فأتيتُهم فجلَستُ إليه، فقال: «كنَّا مع رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في سفرٍ فنزَلْنا منزلًا،

ج 3 ص 243

فمنَّا من يُصلحُ خِباءَه، ومنَّا من يَنْتضِلُ [1] ، ومنَّا من هو في جَشْرِه [2] ، إذ نادى منادِي رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: الصَّلاةَ جامعةً، فاجتمَعْنا إلى رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: إنَّه لم يكنْ نبيٌّ قبلُ إلَّا كانَ حقًَّا عليه أن يَدلَّ أمَّته على خيرِ ما يعلمُه لهم، وينذرَهم شرَّ ما يعلمُه لهم، وإن أمَّتكُم هذه جُعِلَ [3] عافيتها في أوَّلها، وسيصيبُ آخرَها بلاءٌ وأمورٌ تنكرونَها [4] ، وتجيءُ فتنةٌ فيُزلِقُ بعضُها بعضًا، وتجيءُ الفتنةُ فيقولُ المؤمنُ: هذه مُهلكتِي، ثم تنكشفُ، وتجيءُ الفتنةُ فيقولُ المؤمنُ: هذه هذه، فمنْ أحبَّ أن يُزَحزَحَ عن النَّارِ ويُدخَلَ الجنَّة فلْتأتِه منيَّتُه وهو يؤمنُ بالله واليومِ الآخرِ، وليأتِ إلى النَّاسِ الذي يُحِبُّ أن يُؤتى إليهِ، ومن بايَع إمامًا فأعطاهُ صفقةَ يدِه [5] وثمرةَ قلبهِ، فلْيطعْه إن استطاعَ، فإن جاءَ آخرُ ينازعُه فاضربُوا عنقَ الآخرِ./

فدنَوتُ منه فقلتُ: أَنشدُكَ بالله [6] ، أأنتَ سمعتَ هذا من رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟ فأهوى إلى أذنيه وقلبِه بيدَيه وقال: سمعَتْه أذنايَ، ووعاهُ قلبي. فقلتُ: هذا ابنُ عمِّكَ يأمُرنا أن نأكلَ أموالَنا بيننا بالباطلِ، ونقتلَ أنفسَنا، والله تعالى يقولُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء:29] قال: فسكتَ ساعةً ثم قال: أَطِعْه في طاعةِ الله، واعصِهِ في معصيةِ الله».

وفيه عند أبي بكرٍ البَرقانيِّ من حديثِ عثمانَ بنِ أبي شيبةَ عن جريرٍ: _ «فلْيُطعْه ما استطاعَ» . _وفيه: _ «فتجيءُ فتنٌ يَرهَقُ [7] بعضُها بعضًا [8] » . _

وليسَ لعبدِ الرَّحمنِ بنِ عبدِ ربِّ الكعبةِ عن عبدِ الله في عمرٍو في «الصَّحيح» غيرُ هذا.

[1] النِّضالُ: المراماةُ، وانتضلَ القومُ وتناضلُوا إذا رَمَوا للسَّبْقِ، وانتضلوا بالكلامِ والأحاديثِ استعارةٌ من نِضَال السهم، ونَضَلَ فلانٌ فلانًا في المراماةِ إذا غَلَبه.

[2] الجَشْرُ: قومٌ يخرجونَ بدوابِّهم إلى المرعى ويبيتون بها في مواضعها من المرعى ولا يأوون إلى البيوت حتى يقضُوا من ذلك عَرَضًا لهم، يقال: قد جَشَّروا دوابّهم إذا أخرجوها إلى المرعى، والجَشَّار: الذي يأخذُ بالمالِ إلى الجَشْرِ. (ابن الصلاح نحوه) .

[3] سقط قوله: (جعل) من (ظ) .

[4] في (ابن الصلاح) : (سع: ينكرونها) .

[5] صفقةُ اليدِ: المبايعةُ، وثمرةُ قلبِه: الإخلاصُ في العقدِ والمعاهدةِ. (ابن الصلاح) .

[6] سقط من قوله: (ثمرة قلبه ... ) إلى هنا من (ت) ، وما أثبتناه موافق لنسختنا من رواية مسلم.

[7] في (ابن الصلاح) : (سع: يُرهِق) .

[8] تجيءُ فتنٌ يَرْهَقُ بعضُها بعضًا؛ أي؛ يغشى بعضُها بعضًا ويقربُ بعضُها من بعضٍ، «وتجيءُ فتنةٌ يزلقُ بعضُها بعضًا» ، أي: يدفعُ بعضُها بعضًا، كأن الثانية تزحم الأولى لعجلةِ ورودها عليها وسرعتها إليها وإزعاجها لها، ويقال: مكان مُزْلق، أي: لا تثبتُ عليه قدمٌ. (ابن الصلاح نحوه) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت