فهرس الكتاب
3016 - من روايةِ عمرِو بنِ ميمونٍ عن عبدِ الله بنِ مسعودٍ أنَّه حدَّثَ عن سعدِ بنِ معاذٍ أنَّه قال: كانَ صديقًا لأميَّةَ بنِ خلفٍ، وكان أميَّةُ إذا مرَّ بالمدينةِ نزَل على سعدٍ، وكان سعدٌ إذا مرَّ بمكَّةَ نزَل على أميَّةَ. /
فلمَّا قدمَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المدينةَ انطلقَ سعدٌ معتمرًا، فنزَل على أميَّةَ بمكَّةَ فقال لأميَّةَ: انظرْ لي ساعةً لَعَلِّي أطوفُ بالبيتِ، فخرَج به قريبًا من نصفِ النَّهارِ، فلقِيَهما أبو جهلٍ فقال: يا أبا صفوانَ؛ من هذا معكَ؟ فقال: هذا سعدٌ، فقال له أبو جهلٍ: ألا أراكَ تطوفُ بمكَّةَ آمنًا وقد آويتُم الصُّباةَ [1] ، وزعمتُم أنَّكم تنصرونَهم وتعينونَهم، أمَا والله لولا أنَّك مع أبي صفوانَ ما رجعتَ [2] أهلكَ سالمًا، فقال له سعدٌ ورفَع صوتَه عليه: أما والله لئنْ منعتَني هذا لأمنعنَّك ما هو أشدُّ عليكَ منه: طريقَك على المدينةِ، فقال له أميَّةُ: لا ترفَعْ صوتَك يا سعدُ على أبي الحكمِ سيدِ أهلِ الوادِي، فقال سعدٌ: دَعْنا عنْك يا أميَّةُ، فوالله لقَد سمعتُ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: «إنَّهُ قاتلُكَ» . قال: بمكَّةَ؟ قال: لا أدري،
ج 3 ص 257
ففزِعَ لذلك أميَّةُ فزعًا شديدًا.
فلمَّا رجعَ أميَّةُ إلى أهلِه قال: يا أمَّ صفوانَ؛ ألم تريْ ما [3] قال لي سعدٌ! قالتْ: وما قال لك؟ قال: زعَم أنَّ محمَّدًا أخبرَهم أنَّه قاتِلي، فقلتُ له: بمكَّةَ؟ قال: لا أدري، فقال أميَّة: والله لا أخرجُ من مكَّة.
قال: فلما كانَ يومُ بدرٍ، استنفرَ [4] أبو جهلٍ، قال: أدركُوا عِيرَكُم [5] ، قال: فكرِهَ أميَّةُ أن يخرجَ، فأتاه أبو جهلٍ فقال: يا أبا صفوانَ؛ / إنَّكَ متى ما يراكَ النَّاسُ قد تخلَّفْتَ وأنتَ سيِّدُ أهلِ الوادِي تخلَّفُوا معكَ، فلم يزلْ به أبو جهلٍ حتَّى قال: أمَا إذ غَلَبتَنِي فوالله لأشتريَنَّ أجودَ بعيرٍ بمكَّةَ.
ثمَّ قال أميَّةُ: يا أمَّ صفوانَ؛ جهِّزينِي، فقالت له: يا أبا صفوانَ؛ وقد نسيتَ ما قال لك أخوكَ اليثربيُّ؟ قال: لا، ما أريدُ أن أكونَ معهم إلَّا قريبًا، فلمَّا خرَج أميَّةُ أخذَ لا ينزلُ منزلًا إلَّا عقلَ بعيرَه، فلم يزَل بذلك حتَّى قتلَه الله ببدرٍ. [خ¦3950]
وفي حديثِ إسرائيلَ عن أبي إسحاقَ نحوُه، إلَّا أنَّ فيه: فجعَل أميَّةُ يقول لسعدٍ: لا ترفَعْ صوتَك، وجعَل يمسكُه، فغضِبَ سعدٌ فقال: دَعْنا منكَ، «فإنِّي سمعتُ محمَّدًا [6] صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يزعمُ أنَّه قاتلُك» ! قال: إيَّايَ؟ قال: نعمْ، قال: والله ما يكذبُ محمَّدٌ إذا حدَّثَ، فرجَع إلى امرأتِه فقال: أتعلَمين ما قال أخي اليثربيُّ؟ قالت: وما قال؟ قال: زعَم أنَّه سمِع محمَّدًا يزعُم أنَّه قاتِلي! قالت: فوالله ما يكذبُ محمَّدٌ، قال: فلما خرَجوا إلى بدرٍ وجاء الصريخُ [7] ، قالت له امرأتُه: أمَا ذكرتَ ما قال لك أخوكَ اليثربيُّ؟ قال: فأرادَ ألا يخرجَ، فقال له أبو جهلٍ: إنَّك من أشرافِ [8] الوادِي، فسِرْ يومًا أو يومَينِ، فسارَ معهُم، فقتَلَه الله»./ [خ¦3632]
[1] الصُّباةُ: جمعُ صابٍ، والصابئ الخارجُ من دينٍ إلى دين، يقال: صبأ فلانٌ إذا فعَل ذلك، وكان أهلُ الجاهلية يسمُّونَ من خرَج عن عبادةِ الأوثان وآمن بدينِ الإسلام صابئًا على تلك العادةِ.
[2] استشكلها في (ابن الصلاح) ، وهي عند البخاري: «ما رجعت إلى» .
[3] في (ت) : (إلى ما) وما أثبتناه من (ظ) موافق لنسختنا من رواية البخاري.
[4] استنفرَ فلانٌ القومَ: أي؛ دعاهُم إلى القتالِ والنصرةِ والمعاونةِ على عدوِّه، فنفروا، أي: أجابُوه وانطلقوا معه.
[5] العيرُ: الإبلُ تحملُ المِيرةَ.
[6] سقط قوله: (محمدا) من (ت) وما أثبتناه من (ظ) والبخاري.
[7] الصريخ: ها هنا المستغيثُ، والصريخُ في اللغة يقع بمعنيين متضادين يكون المغيثُ ويكون المستغيثُ، من ذلك حديثُ ابن عمرٍو: استُصرِخَ على صفيةَ، أي: دعيَ به واستُغِيثَ بهِ، واستصراخُ الحيِّ للميِّتِ إنما هو لِيُستعانَ به في شأنِ الميِّتِ وتجهيزِه فيغيثهم ويعينهم، وأما قولُه تعالى: {فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ} [يس:43] ، أي: لا مغيثَ لهم.
[8] الشريفُ: العالي القدر في جاهٍ أو علمٍ أو نسبٍ، والجمعُ أشرافٌ، وشرفُ كلِّ شيءٍ أعلاهُ، والسيدُ الذي يُعَوَّل عليه في ما قصدَ منه إليه.