فهرس الكتاب
3135 - من روايةِ أبي عثمانَ النَّهديِّ عنه قال _ وكان من كتَّابِ رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم _ قال: «لقيَني أبو بكرٍ فقال: كيفَ أنتَ يا حنظلةُ؟ قال: قلتُ: نافَق [1] حنظلةُ، قال: سبحانَ الله! ما تقول؟ قال: قلت: نكونُ عندَ رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يذكِّرُنا بالنَّارِ والجنَّةِ كأنَّا رأيَ عينٍ [2] ، فإذا خرَجْنا من عندِ رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عافَسْنا الأزواجَ والأولادَ والضَّيْعَاتِ [3] ، نسينا كثيرًا، قال أبو بكرٍ: فوالله إنَّا لنلقَى مثلَ هذا، فانطلَقتُ أنا وأبو بكرٍ حتَّى دخَلْنا على رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقلتُ: نافَق حنظلةُ يا رسولَ الله؛ فقال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: وما ذاكَ؟ قلتُ: يا رسولَ الله، نكونُ عندكَ تذكِّرُنا بالنَّارِ والجنَّةِ كأنَّا رأيَ عينٍ،
ج 3 ص 294
فإذا خرَجْنا من عندِكَ عافسْنا الأزواجَ والأولادَ والضَّيْعاتِ، نسينا كثيرًا، فقال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: والذي نفسِي بيدِه! إنْ لو تدومونَ على ما تكونونَ عندِي وفي الذِّكرِ، لصافَحتكُم الملائكةُ على فُرُشِكم، وفي طُرُقِكم، ولكن يا حنظلةُ، ساعةً وساعةً. ثلاثَ مرارٍ». /
وفي حديثِ عبدِ الوارثِ عن سعيدٍ الجُريريِّ: «كنَّا عند رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فذكَر النَّارَ ثم جئْتُ إلى البيتِ فضاحَكتُ الصِّبيانَ ولاعبتُ المرأةَ، قال: فخرَجتُ فلقيتُ أبا بكرٍ فذكرتُ ذلكَ له فقال: وأنا قد فعلتُ مثلَ ما تذكرُ، فلقينا رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقلتُ: يا رسولَ الله، نافَق حنظلةُ، فقال: مَه [4] . فحدَّثتُه بالحديثِ، فقال أبو بكرٍ: وأنا قد فعلتُ مثلَ ما فعَل، فقال: يا حنظلةُ، ساعةً وساعةً، لو كانَتْ تكونُ قلوبُكم كما تكونُ عندَ الذِّكرِ لصافحَتْكم الملائكةُ حتَّى تُسلِّمَ عليكم في الطريقِ» .
[1] النِّفاقُ: إظهارُ شيء وكتمانُ ما ينقضُه رياءً وخديعةً، وفي الاعتلالِ لذلك ثلاثةُ أوجهٍ:
أحدُها: أنَّه إنَّما سمِّي المنافقُ منافقًا؛ لأنه يستر كفرَه ويغيِّبُه، فشُبِّه بالذي يدخُل النَّفقَ وهو السِّربُ يستَتِر فيه.
والثاني: أنَّه نافَق كاليربوعِ له جُحرٌ يقال له: النَّافِقاءُ، وآخرُ يقال له: القاصِعاءُ، فإذا طُلبَ من النَّافِقاءِ قصَع فخرَج من القاصعاءِ، فشُبِّه المنافقُ باليربوعِ لأنَّه يخرجُ من الإيمانِ من غيرِ الوجهِ الذي يدخل
والثالثُ: أنَّه سُمِّي منافقًا لإظهارِه غيرَ ما يضمرُ تشبيهًا باليربوعِ لأنَّه يخرقُ الأرضَ حتَّى إذا كاد يبلغُ ظاهرَ الأرضِ أرقَّ التُّرابَ فإذا رابَه ريبٌ رفَع ذلك التُّرابَ برأسِه فخرَج، فظاهرُ جُحره ترابٌ كالأرضِ وباطنُه حَفْرٌ، وكذلك المنافقُ ظاهرُه إيمانٌ وباطنُه كفرٌ.
[2] كأنَّا رأيَ عينٍ: أي؛ بحيثُ نرى ما يصفُ لنا بأعينِنا.
[3] عافَسْنا الأولاد والزوجات والضَّيْعَاتِ: أي؛ خالطنا وانتهزنا الفرصةَ في ذلك، ويكون بالصَّادِ والسِّينِ، ويقال: عافصتُ الرَّجلَ أخذتُه على غِرَّةٍ. (ابن الصلاح نحوه) .
[4] مَهْ: ها هنا بمعنى ما الخبرُ؟ والهاءُ للوقفِ. (ابن الصلاح) .