فهرس الكتاب
3146 - من روايةِ مُطَرِّفِ بنِ عبدِ الله بنِ الشِّخِّيرِ عن عِياضِ بنِ حمارٍ: أنَّ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال ذاتَ يومٍ في خطبتِه: «ألَا إنَّ ربِّي أمرَني أن أعلِّمَكم ما جهلتُم، ممَّا علَّمَني يومِي هذا، كُلُّ مالٍ نَحلْتُه [1] عبدًا حلالٌ، وإنِّي خلقتُ عبادِي حنفاءَ [2] كلَّهم، وإنَّهم أتَتْهم الشَّياطينُ فاجتالَتهم عن دينِهم [3] ، وحرَّمَتْ عليهم ما أحللتُ لهم، وأمَرَتْهُم أن يشركُوا بي ما لم أنزِّل به سلطانًا، وإنَّ الله نظَر إلى أهلِ الأرضِ فمقتَهم [4] عَرَبَهم وعَجَمَهم، إلَّا بقايا من أهلِ الكتابِ، وقال: إنَّما بعثتُك لأبتليَك وأبتليَ بك، وأنزلتُ عليك كتابًا لا يغسلُهُ الماءُ [5] ، تقرؤُه نائمًا ويقظانَ [6] .
وإنَّ الله أمرَني أنْ أُحرِّقَ قريشًا [7] ، فقلت: ربِّ إذن يَثْلَغُوا رأسي [8] فيَدَعُوه خُبزةً، قال: استخرِجْهم كما أخرَجُوك، واغزُهم نُعِنْكَ، وأنفقْ فسننفقَ عليك، وابعَثْ جيشًا نبعَثْ خمسةً مثلَه، وقاتلْ بمنْ أطاعَك من عصاكَ».
قال: وأهلُ الجنَّة ثلاثةٌ: ذو سلطانٍ مقسطٌ [9] متصدقٌ موفَّقٌ، ورجلٌ رحيمٌ رقيقُ القلبِ لكلِّ ذي قُربى ومسلم، وعفيفٌ متعفِّفٌ ذو عيالٍ.
وأهلُ النَّارِ خمسةٌ: الضَّعيفُ الذي لا زَبْرَ لهُ [10] ، الذين هم فيكُم تَبَعًا لا يَتْبَعون أهلًا ولا مالًا، والخائنُ الذي لا يخفَى له طمعٌ وإنْ دقَّ إلَّا خانَه، ورجلٌ لا يُصبحُ ولا يُمسي إلَّا وهوَ مخادعُك عن أهلِك ومالِك». / وذكَر البُخلَ أوِ الكَذبَ. والشِّنْظيرُ الفحَّاشُ [11] .
زاد في حديثِ مطرٍ عن قتادَةَ عن مطرِّفٍ: «وإنَّ الله أوحَى إليَّ أن تواضعُوا حتَّى لا يفخَرَ أحدٌ على أحدٍ، ولا يبغِي [12] أحدٌ على أحدٍ _ وقال في حديثِه: _ وهم فيكُم تَبَعًا، لا يَبْغُون أهلًا ولا مالًا. فقلتُ: وكيفَ يكون ذلكَ يا أبا عبدِ الله؟ قال: نعَم، والله لقَد أدركتُهم في الجاهليَّةِ، وإنَّ الرَّجلَ ليرعَى على الحيِّ ما به إلَّا وليدَتُهم [13] يطؤُها» .
ج 3 ص 298
[1] النِّحلةُ: العطيَّةُ، يقال: نحلتُ الرَّجلَ أنحَلُه؛ أي: أعطيتُه عَطيَّةً لا عوضَ عنها.
[2] الحُنفاءُ: جمعُ حنيفٍ وهو كلُّ من كان على الاستقامةِ والإسلامِ وما كان عليه إبراهيمُ عليه السَّلام.
[3] اجتالَتهم عن دينِهم: أي؛ أزالَتهم، مأخوذٌ من الجَوَلانِ وهو الزَّوالُ عن المستقَرِّ. (ابن الصلاح نحوه) .
[4] المَقتُ: نهايةُ البُغضِ، يقال: مَقَتَه يمقُتُه مَقْتًا، والمفعولُ منه مَقِيتٌ وممقوتٌ، وكان أهلُ الجاهليةِ يسمُّون نكاحَ الرَّجلِ امرأةَ أبيه مقتًا، وكانوا يسمُّون ولدَه منها المَقْتِيَّ. (ابن الصلاح نحوه) .
[5] وأنزلتُ عليك كتابًا لا يغسلُه الماء: أرادَ أنَّه لا يُمحَى لدوامِ ظهورِه وشُهرتِه، بل هو محفوظٌ في صدورِ الذين أوتوا العلمَ، {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ} [فصلت:42] . (ابن الصلاح) .
[6] تقرأُه نائمًا ويقظانَ: قيل: إنك تجمعُه حِفظًا وأنتَ نائمٌ كما تجمعُه وأنتَ يقظانُ، أي: قد استوتِ الحالتانِ في حفظِكَ له واستظهارِك إيَّاه، وقيل: يُحتملُ أن يكون أرادَ أنَّك تقرأُه في يُسرٍ وسهولةٍ ظاهرًا، يقال للرَّجل إذا كان قادرًا على الشيء ماهرًا فيه: هو يفعلُه نائمًا، كما يقال: هو يسبقُه قاعدًا، والقاعد لا سَبْقَ له، وإنما هذا على المبالغةِ، أي: أنَّه يسبقُه مستهينًا به بأيسرِ سعيٍ، وقيل: إنَّ من هذا قولَه «واغسلْهُ بالماءِ والثَّلجِ البردِ» وإنَّه مُبالغةٌ في تطهيرِه من الذُّنوبِ. (ابن الصلاح نحوه) .
[7] أمرَني أنْ أُحرِّقَ قريشًا: كنايةٌ عن القتلِ، كقولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «جئتُكم بالذَّبح» ، وفي الخبرِ في وصفِ أبي بكر عندَ قتالِ أهل الرِّدة: «فلم يزلْ يحرقُ أعضاءَهم حتَّى أدخلَهم من البابِ الذي خرجُوا منه» . (ابن الصلاح نحوه) .
[8] يَثْلَغُوا رأسي: الثَّلْغُ: الشَّدْخُ، وقال بعضُهم: هو فَضْخُكَ الشيء الرَّطْبَ بالشيء اليابسِ حتَّى ينشدِخَ، والفضْخُ والثَّلْغُ والشَّدْخُ شيء واحدٌ. (ابن الصلاح نحوه) .
[9] المقسطُ: العادلُ.
[10] الضعيف الذي لا زَبْرَ لهُ: أي؛ لا عَقْلَ له، ويقال: ما له زَبْرٌ، أي: ما له عقلٌ. (ابن الصلاح نحوه) .
[11] الشِّنْظِيرُ: السَّيِّءُ الخُلقِ. والفحَّاشُ: المبالغُ في الفحشِ في كلامِه. (ابن الصلاح) .
[12] البَغْيُ: الاستطالةُ على النَّاسِ والكبرُ، ومنه قوله: {وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [الأعراف:33] والبغيُ أيضًا الفسادُ، ومنه قولُه: {إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم} [يونس:23] أي: فسادُكم راجعٌ إليكُم، والبغيُ الظُّلمُ، قال تعالى: {ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ} [الحج:60] . وقع في «غريب الجمع» : ومن بُغِي عليه .. (ابن الصلاح نحوه) .
[13] الوليدةُ: الجاريةُ، والجمعُ ولائدُ.