فهرس الكتاب

الصفحة 4182 من 4262

الثَّالث: حديث الجسَّاسةِ:

3544 - عن عامرِ بن شَراحيل الشَّعبيِّ _شَعبِ هَمْدانَ_ أنَّه سأل فاطمةَ بنت قيسٍ أختَ الضَّحاكِ بن قيسٍ _وكانت من المهاجراتِ الأُول_

ج 4 ص 121

فقال: حدِّثيني حديثًا سمعتِهِ من رسول الله لا تُسنِديه إلى أحدٍ غيرِه، فقالت: لئن شئتَ لأفعلنَّ! فقال لها: أجل؛ حدِّثيني.

فقالت: «نكَحتُ ابن المغيرةِ وهو من خيارِ شبابِ قريشٍ يومئذٍ فأُصيبَ في أول الجهادِ مع رسول الله، فلمَّا تأيَّمتُ [1] خطبني عبد الرَّحمن بن عوفٍ في نفرٍ من أصحابِ محمَّدٍ، وخطبني رسول الله على مولاهُ أسامةَ بن زيدٍ، وكنتُ قد حُدِّثتُ أنَّ رسول الله قال: من أحبَّني فليُحبَّ أسامةَ. فلمَّا كلَّمني رسول الله قلت: أمري بيدِكَ فأنكحني من شِئتَ، فقال: انتقلي إلى أمِّ شَريكٍ. / وأمُّ شَريكٍ امرأةٌ غنيةٌ من الأنصارِ، عظيمةُ النفقةِ في سبيلِ الله، ينزِل عليها الضِّيفانُ، فقلتُ: سأفعَل، قال: لا تفعلي، إنَّ أمَّ شَريكٍ كثيرةُ الضّيفانِ، فإنِّي أكرَه أن يسقُط عنكِ خمارُك أو ينكشِفَ الثَّوبُ عن ساقيكِ فيَرى القومُ منكِ بعضَ ما تكرهين، ولكن انتقلي إلى ابن عمِّكِ عبد الله بن عمرِو بن أمِّ مكتومٍ _وهو رجلٌ من بني فِهرٍ؛ فهرِ قريشٍ، وهو من البطن الَّذي هي منه_ فانتقَلتُ إليه.

فلمَّا انقضت عِدَّتي سمِعت نداءَ المنادي؛ مُنادي [2] رسول الله ينادي: الصَّلاةَُ جامعةًٌ، فخرجتُ إلى المسجد فصلَّيتُ مع رسول الله، فكنت في النِّساءِ التي تلي ظهورَ القومِ، فلمَّا قضى رسول الله صلاتَه جلَس على المنبر ويضحَكُ، فقال: ليَلزَم كلُّ إنسانٍ مُصلَّاه. ثمَّ قال: تدرون لمَ جمعتُكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلَم، قال: إنِّي والله ما جمعتُكم لرَغبةٍ ولا لرَهبةٍ، ولكن جمعتُكم لأنَّ تميم [3] الداريَّ كان رجلًا نصرانيًَّا، فجاء فبايع وأسلَم، وحدَّثني حديثًا وافَق الذي كنت أحدِّثُكم عن مسيحِ [4] الدَّجَّالِ، حدَّثني أنَّه ركِب في سفينةٍ بحريةٍ مع ثلاثين رجلًا من لَخْمٍ وجُذَامَ، فلعِب بهم الموجُ شهرًا في البحرِ، ثمَّ أرفؤوا [5] إلى جزيرةٍ في البحرِ حتَّى مغرب الشَّمسِ، فجلسوا في أقْرُبِ [6] السَّفينةِ، فدخلوا الجزيرة./

فلقِيَتهم دابةٌ أهْلَبُ [7] كثيرةُ الشَّعَر، لا يدرون ما قُبُله من دُبُرِه، فقالوا: ويلكِ! ما أنتِ؟ فقالت: أنا الجسَّاسةُ [8] ، قالوا: وما الجسَّاسةُ؟ قالت: أيُّها القومُ، انطلقوا إلى هذا الرجلِ في الدَّيرِ، فإنَّه إلى خبرِكُم بالأشواقِ، قال: لمَّا سمَّت لنا رجلًا فَرِقنا [9] منها أن تكون شيطانةً، قال: فانطلقنا سِراعًا حتَّى دخلنا الدَّيرَ، فإذا فيه أعظمُ إنسانٍ رأيناه قطُّ خلقًا وأشدَّه وِثَاقًا [10] ، مجموعةٌ يداهُ إلى عنقِه ما بين ركبتَيه إلى كعبَيه بالحديدِ، قلنا: ويلك! ما أنتَ؟ قال: قد قدَرتُم على خبري فأخبروني ما أنتم؟ قالوا: نحن أناسٌ من العربِ ركبنا في سفينةٍ بحريةٍ فصادفْنا البحرَ حين اغتَلَمَ [11] ، فلعِبَ بنا الموجُ شهرًا ثمَّ أرفَأنا إلى جزيرتِك هذه، فجلسنا في أقرُبِها فدخلنا الجزيرةَ فلقيَتنا دابةٌ أهْلَبُ كثيرةُ الشَّعَرِ لا ندري قُبُلَه من دُبُرِهِ من كثرةِ الشَّعَرِ، فقلنا: ويلكِ، ما أنتِ؟ فقالت: أنا الجسَّاسةُ، قلنا: وما الجسَّاسةُ؟ قالت: اعمِدُوا إلى هذا الرجلِ في الدَّيرِ فإنَّه إلى خبرِكم بالأشواقِ، فأقبَلنا إليكَ سِراعًا وفزِعنا منها، ولم نأمَن أن تكون شيطانةً.

فقال: أخبروني عن نَخلِ بيسَانَ، قلنا: عن أيِّ شأنِها تستَخبرُ؟ قال: أسألُكم عن نخلِها، هل يثمر؟ قلنا له: نعم، قال: يوشكُ ألَّا يُثمرَ، قال: أخبروني عن بُحيرةِ الطَّبريَّةِ، قلنا: عن أيِّ شأنِها تستَخبرُ؟ قال: هل فيها ماءٌ؟ / قالوا: هي كثيرةُ الماءِ،

ج 4 ص 122

قال: إنَّ ماءَها يوشكُ أن يذهبَ، قال: أخبروني عن عينِ زُغَرَ، قالوا: عن أيِّ شأنِها تستَخبرُ؟ قال: هل في العينِ ماءٌ؟ وهل يزرعُ أهلُها بماءِ العينِ؟ قلنا: نعم؛ هي كثيرةُ الماءِ، وأهلُها يزرعونَ من مائها، قال: أخبروني عن نَبيِّ الأمِّيِّينَ، ما فعل؟ قالوا: قد خرَج من مكَّةَ ونزَل بيثرب، قال: أقاتلَته العرَب؟ قلنا: نعم، قال: كيفَ صنَع بهم؟ فأخبرناه أنَّه قد ظهَر على من يليه من العربِ فأطاعوه، قال لهم: قد كان ذاكَ؟ قلنا: نعم، قال: أمَا إنَّ ذاكَ خيرٌ لهم أن يطيعوه.

وإنِّي مُخبركُم عنِّي، أنا المسيحُ، وإنِّي أُوشك أن يؤذن لي في الخروجِ، فأخرُج فأسير في الأرضِ فلا أدعُ قريةً إلَّا هبطتُها في الأربعين ليلةً، غيرَ مكَّةَ وطيبةَ، هما محرَّمتانِ عليَّ كلتَاهما [12] ، كلمَّا أردتُ أن أدخلَ واحدةً _أو واحدًا_ منهما استقبلني ملَكٌ بيده السَّيفُ صَلْتًَا [13] يصدُّني عنها، وإنَّ على كلِّ نَقْبٍ [14] منها ملائكةً يحرسونَها.

قال رسول الله وطعنَ بمِخصَرتِه [15] في المنبرِ: هذه طيبة، هذه طيبة _يعني المدينة_ ألا هل كنتُ حدثتُكم ذلك؟ فقال النَّاسُ: نعم، قال: فإنَّه أعجبني حديثُ تميمٍ، أَِنَّه وافقَ الذي كنتُ أحدِّثكم عنه وعن المدينةِ ومكةَ، ألا إنَّه في بحرِ الشَّامِ، أو بحرِ اليمنِ، لا بل من قِبلِ المشرقِ ما هو، من قِبلِ المشرقِ ما هو، من قِبلِ المشرقِ ما هو [16] . وأوْمَأ بيده إلى المشرقِ، قالت: فحفظتُ هذا من رسول الله»./

وفي حديث سَيَّارٍ عن الشَّعبيِّ طرفٌ من ذكرِ الطَّلاقِ، ثمَّ قالت: «فنوديَ في النَّاسِ: إنَّ الصَّلاةَ جامعةٌ، قالت: فانطلَقتُ فيمنِ انطلقَ من النَّاس، قالت: فكنتُ في الصَّفِ المقدَّمِ من النِّساءِ؛ وهو يلي [17] المؤخَّرَ من الرِّجالِ، قالت: فسمعتُ النَّبيَّ وهو على المنبرِ يخطُبُ فقال: إنَّ بني عمٍّ لتميمٍ الدَّاريِّ ركبوا في البحرِ ... _وساق الحديثَ، وفيه: قالت:_ فكأنَّما أنظرُ إلى النَّبيِّ وأهوى بمِخصَرتِه إلى الأرضِ، وقال: هذه طيبةُ؛ يعني المدينة» .

وفي رواية غَيلانَ بن جريرٍ عن الشَّعبيِّ عن فاطمةَ قالت: «قَدِمَ على رسول الله تميمٌ الدَّاريُّ فأخبرَ رسولَ الله أنَّه ركِب البحرَ، فتاهت به سفينَتُه، فسقَط إلى جزيرةٍ، فخرَج إليها يلتَمسُ الماءَ، فلقي إنسانًا يجرُّ شَعرَه ... _واقتصَّ الحديثَ، وفيه:_ ثمَّ قال: أمَا إنَّه لو قد أُذِنَ [18] لي في الخروجِ قد وطئتُ البلادَ كلَّها غيرَ طيبةَ، فأخرجه رسول الله إلى النَّاسِ فحدثهم، قال: هذه طيبةُ، وذاك الدَّجَّالُ» .

وفي رواية أبي الزِّنَادِ عن الشَّعبيِّ: أنَّ رسول الله قعدَ على المنبرِ فقال: أيُّها النَّاس؛ حدَّثني تميمٌ الدَّاريُّ أنَّ أُناسًا من

قومِه كانوا في البحرِ في سفينةٍ لهم، فانكسرت بهم، فرَكِب بعضُهم على لوحٍ من ألواحِ السَّفينةِ، فخرجوا إلى جزيرةٍ في البحرِ ... » وساق الحديث. /

[1] الأيّمُ: المرأة التي لا بعل لها، تأيَّمَت: بقيت بلا زوج. (ابن الصلاح نحوه) .

[2] في (ت) : (نداء) ، وما أثبتناه من (ظ) موافق لنسختنا من رواية مسلم.

[3] كذا في الأصلين! وفي مسلم (تميمًا) .

[4] استشكل في (ابن الصلاح) إضافة الموصوف: (مسيح) ، إلى صفته (الدجال) .

[5] أرْفأَتُ السَّفينةَ: قرَّبتُها إلى الشط، وذلك الموضع مرفأ. (ابن الصلاح نحوه) .

[6] القارب: سفينة صغيرة تكون مع أصحاب السفن البحرية يستعجلون بها حوائجهم، (ابن الصلاح) . فلعل قولَه: أقْرُبُها جمعٌ لذلك، وقد سمعت من يقوله، إلا أن هذا الجمع يبعد عندي.

[7] الهَلْبُ: ما غَلُظَ من الشعر، والأهلب الغليظ الشعر الخشن. (ابن الصلاح نحوه) .

[8] الجساسة: من التجسس، وهو الفحص في بواطن الأمور، وأكثر ما يقال ذلك في الشر. (ابن الصلاح) .

[9] فَرِقَ يفرَق فَرَقًا: فزع. (ابن الصلاح نحوه) .

[10] في (ت) و (ابن الصلاح) : (وثاقةً) ، والمثبت موافق لنسختنا من رواية مسلم.

[11] اغْتَلَم البحرُ أو الفحل: إذا هاج. (ابن الصلاح نحوه) .

[12] سقط قوله: (كلتاهما) من (ظ) .

[13] استقبله بالسيف صَلْتًَا: أي مسلولًا من غمده، مهيئًا للضرب به. (ابن الصلاح نحوه) .

[14] النَّقْبُ: الطريق في الجبل، والجمع أنقاب، قاله يعقوب. (ابن الصلاح نحوه) .

[15] المِخصَرَةَ: عصا أو قضيب كانت في يد الخاطب أو الملك، إذا تكلم. (ابن الصلاح نحوه) .

[16] قال عياض: ما هنا صلة وليست بنافية؛ أي: من قبل المشرق هو. «مشارق» (1/ 371) . (ابن الصلاح نحوه) .

[17] في (ت) : (وهي تلي) ، وما أثبتناه من (ظ) موافق لنسختنا من رواية مسلم.

[18] في هامش (ابن الصلاح) : (سع: لو أذن) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت