فهرس الكتاب

الصفحة 4262 من 4262

فصلٌ:

وقد استَشرَف بعضُ الطَّالبين إلى معرفةِ الأسبابِ الموجبةِ للاختلافِ بين الأئمَّةِ الماضين أجمعين مع إجماعِهم على الأصلِ المتَّفقِ عليه المستَبِين، حتَّى احتِيجَ إلى تكلُّفِ التَّصحيحِ في طلبِ الصَّحيحِ، وقرُبَتْ على هذا الطَّالبِ معرفةُ بعض العذرِ في اختلافِ المتأخرين لبُعدِهم عن المشاهدة، وإنَّما تعذَّرَ عليه معرفةُ الوجهِ في اختلافِ الصَّحابةِ رضوانُ الله عليهم مع مشاهدتهم نزولَ التَّنزيلِ وأحكامَ الرَّسولِ، وحرصِهم على الحضورِ لديه [1] ، والكونِ بينَ يديهِ، والأخذِ عنه، والاقتباسِ منه.

وهذا الَّذي وقَع لهذا الطَّالبِ الباحثِ قد وقَع لبعضِ من قبلَه الخوضُ فيه والبَحثُ عنه.

وخرَّجَ في هذا المعنى بعضُ الأئمَّةِ من علماءِ الأمةِ فصْلًا رأينا إثباتَه ها هنا؛ لإزالةِ هذه الشُّبهةِ عن هذا الطَّالبِ الباحثِ وعن غيرِه ممَّن يَخفى ذلك عنه ويتطلَّعُ إلى معرفةِ الوجهِ فيه، وبهذا الفصلِ يُتَصوَّرُ للكلِّ صورةُ وقوعِ ذلك منهم، وكيفيَّةُ / اتَّفاقِه لهم، حتَّى كأنَّه شاهدَه معهم، وهذا أوَّلُ الفصلِ المخرَّجِ في ذلك أوردناه بلفظِ مصنِّفه رحمةُ الله عليه:

قال لنا الفقيهُ الحافظُ أبو محمَّدٍ عليُّ بن أحمدَ بن سعيدٍ اليَزيديُّ الفارسيُّ [2] في بيانِ أصلِ الاختلافِ الشَّرعيِّ وأسبابِه:

تطَلَّعتِ النَّفسُ بعد تيَقُّنِها أنَّ الأصلَ المتَّفقَ عليه المرجوعَ إليه أصلٌ واحدٌ لا يَختلفُ، وهو ما جاء عن صاحبِ الشرعِ إمَّا في القرآنِ، وإمَّا من فعلِه أو قولِه الَّذي لا ينطق عن الهوى فيه؛ لِما رأتْ وشاهدتْ من اختلافِ علماءِ الأمَّةِ فيما سبيلُه واحدةٌ، وأصلُه غيرُ مختلفٍ، فبحَثتْ عن السَّببِ الموجبِ للاختلافِ ولتركِ من ترَك كثيرًا ممَّا صحَّ من السنَّةِ، فوضَحَ لها بعد التفتيشِ والبحثِ:

-أنَّ كلَّ واحدٍ من العلماءِ بَشرٌ ينسى كما ينسى البشرُ، وقد يحفظُ الرجلُ الحديثَ ولا يحضُره ذكرُه حتَّى يُفتي بخلافِه، وقد يعرِضُ هذا في آيِ القرآنِ.

ج 4 ص 135

ألا ترى أنَّ عمرَ أمَر على المنبرِ ألا يُزادَ في مُهورِ النِّساءِ على عددٍ ذكرَه ميلًا إلى أنَّ النَّبيَّ لم يزِد على ذلك العددِ في مُهورِ نسائِه، حتَّى ذكَّرته امرأةٌ من جانبِ المسجدِ بقول الله تعالى: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا} [النساء:20] / [3] فترَك قولَه وقال: كلُّ أحدٍ أعلمُ منك حتَّى النِّساء، وفي روايةٍ أخرى: امرأةٌ أصابَت، ورجلٌ أخطَأ، علمًا منه بأنَّ النَّبيَّ وإن كان لم يزد في مهورِ النِّساءِ على عددٍ ما؛ فإنَّه لم يمنَع مما سواه، والآية أعمُّ.

وكذلك أمَر برَجمِ امرأةٍ ولَدت لستَّةِ أشهرٍ، فذكَّره عليٌّ قولَ الله تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف:15] مع قولِه تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} [البقرة:233] فرَجَع عن الأمرِ برجمِها.

وهمَّ أن يسطو بعُيَينةَ بن حِصنٍ إذ جفا عليه، حتَّى ذكَّره الحرُّ بن قيسٍ بقولِ الله: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف:199] فأمسَك عمرُ.

وقال يومَ ماتَ رسول الله: والله ما ماتَ رسول الله، ولا يموتُ حتَّى يكونَ آخرَنا، حتَّى قُرِئت عليه: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ} [الزمر:30] فرَجَع عن ذلك، وقد كان علِمَ الآيةَ ولكنَّه نسيَها لعظيمِ الخَطبِ الواردِ عليه.

فهذا وجهٌ عُمدتُه الخلافُ للآيةِ أو للسُّنَّةِ بنسيانٍ لا بقصدٍ.

-وقد يذكرُ العالمُ الآيةَ أو السنَّةَ لكن يتأوَّلُ فيهما تأويلًا من خصوصٍ أو نسخٍ أو معنىً ما وإن كان كلُّ ذلك يحتاجُ إلى دليلٍ.

ولا شكَّ أنَّ الصَّحابةَ كانوا بالمدينةِ حولَه مجتمعين، وكانوا ذوي معايشَ يطلبونَها وفي ضَنكٍ من القوتِ، ومن مُتحرِّفٍ في الأسواقِ، ومن قائمٍ على نخلِه، ويحضرُه في كلِّ وقتٍ منهم طائفةٌ إذا وجدوا أدنى فراغٍ ممَّا هم بسبيلِه، وقد نصَّ على ذلك أبو هريرةَ فقال: إنَّ إخواني من المهاجرين كان يشغلُهم الصَّفْقُ بالأسواقِ، وإنَّ إخواني من الأنصارِ كان يشغلُهم القيامُ على نخلِهم، وكنت امرءًا مسكينًا أصحبُ رسول الله على مِلْء بطني.

وقد قال عمرُ: ألهاني الصَّفْقُ بالأسواقِ، في حديثِ استئذانِ أبي موسى.

فكان النَّبيُّ يُسأل عن المسألةِ، ويَحكُم بالحُكمِ، ويأمرُ بالشَّيءِ، ويفعلُ الشَّيءَ، فيحفظُه من حضرَه، ويغيبُ عمَّن غابَ عنه.

فلمَّا ماتَ ووليَ أبو بكرٍ؛ كان إذا جاءت القضيَّةُ ليس عنده فيها نصٌّ سأل مَن بحضرتِه من الصَّحابةِ فيها، فإن وجَد عندهم نصًَّا رجَع إليه، وإلَّا اجتهَد في الحُكمِ فيها، ووجهُ اجتهادِه واجتهادِ غيرِه منهم رضوانُ الله عليهم رجوعٌ إلى نصٍّ عامٍ، أو إلى أصل إباحةٍ متقدمةٍ، أو إلى نوعٍ من هذا يَرجعُ إلى أصلٍ، ولا يجوزُ أن يظنَّ أحدٌ أنَّ اجتهادَ واحدٍ منهم هو أن يُشرِّعَ شريعةً باجتهادٍ ما، أو يخترعَ حكمًا لا أصل له، حاشا لهم من ذلك.

فلمَّا وليَ عمرُ فُتِحت الأمصارُ، وتفرَّقَ الصَّحابةُ في الأقطارِ، فكانت الحكومةُ تنزِلُ بمكَّةَ وبغيرِها من البلادِ، فإن كان عند الصَّحابةِ الحاضرين لها نصٌّ حُكِمَ به، وإلَّا اجتهدوا في ذلك، وقد يكون في تلك القضيَّةِ نصٌّ موجودٌ عند صاحبٍ آخرَ في بلدٍ آخرَ، وقد حضرَ المدَنيُّ ما لم يحضر المصريُّ، وحضرَ الشَّاميُّ ما لم يحضر البَصريُّ، وحضرَ البَصريُّ ما لم يحضر الكوفيُّ، وحضرَ الكوفيُّ ما لم يحضر المدنيُّ، كلُّ هذا موجودٌ في الآثارِ،

ج 4 ص 136

وتقتَضيه الحالةُ الَّتي ذكرنا من مغيبِ بعضِهم عن مجلسه في بعضِ الأوقاتِ وحضورِ غيرِه، ثمَّ مغيبِ الَّذي حضَر وحضورِ الَّذي غابَ، فيدري كلُّ واحدٍ منهم ما حضرَه، ويفوتُه ما غابَ عنه، هذا أمرٌ مشاهَدٌ.

وقد كان علم التيمُّمِ عند عمَّارٍ وغيرِه، وغابَ عن عمرَ وابن مسعودٍ، حتَّى قالا: لا يَتيمَّمُ الجُنبُ ولو لم يجد الماءَ شهرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت