بقلم / عايض بن فدغوش الشدادي الحارثي
الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وبعد:
فإنه لما كان الجهاد ذروة سنام الإسلام وقبته ، ومنازل أهله أعلى المنازل في الجنة كما لهم الرفعة في الدنيا ، فهم الأعلون في الدنيا والآخرة ، كان الرسول صلى الله عليه وسلم في الذروة العليا منه ، واستولى على أنواعه كلها ، فجاهد في الله حق جهاده بالقلب ، والجنان ، والدعوة ، والبيان ، والسيف ، والسنان . وكانت ساعاته موقوفة على الجهاد ، بقلبه ولسانه ، ويده ، ولهذا كان أرفع العالمين ذكرًا وأعظمهم عند الله قدرًا .
ولما كان من أفضل الجهاد قول الحق مع شدة المعارض مثل أن تتكلم به عند من تخاف سطوته وأذاه ، كان للرسل - صلوات الله عليهم وسلامه - من ذلك الحظ الأوفر وكان لنبينا - صلوات الله وسلامه عليه - من ذلك أكمل الجهاد وأتمه .
وجهاد النفس مقدمًا على جهاد العدو في الخارج وأصلًا له ، فإنه ما لم يجاهد نفسه أولًا لتفعل ما أمرت به ، وتترك ما نهيت عنه ، ويحاربها في الله ، لم يمكنه جهاد عدوه في الخارج ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله ، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه".
فهذان عدوان قد امتحن العبد بجهادهما [1] وبينهما عدو ثالث وهو الشيطان لا يمكنه جهادها إلا بجهاده ، وهو واقف بينهما يثبط العبد عن جهادهما ويخذله ، ويرجف به ، ولا يزال يخيل له ما في جهادهما من المشاق ، وترك الحظوظ ، وفوت اللذات ، والمشتهيات ، ولا يمكنه أن يجاهد ذلك العدوين إلا بجهاده ، قال تعالى: { إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا } ( فاطر: 6 ) .
فهذه ثلاثة أعداء ، أمر العبد بمحاربتها وجهادها ، وقد بلي بمحاربتها في هذا الدار ، وسلطت عليه امتحانًا من الله وابتلاء - يمتحن الله من يتولاه ، ويتولى رسله ممن يتولى الشيطان وحزبه .