فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 34

لقد كان للعناية المركزة الفائقة التي أحاطت بالكلب أثرها البالغ في تحسن صحته، وتطور نشاطه، فقد أصبح الذي يحسب حسابه، بين ساكني القرية وزوارها وحيواناتها، فما من عركة تنشب بين كلاب القرية أو القرى المجاورة حتى يكون"المقدّم"هو المنتصر الذي يشدّ إليه الأنظار، فقد أضحى بحق أحد معالم القرية التي كانت تحت وقت قريب تحيا على هامش القرى المجاورة لها.

وفي صبيحة يوم شاتٍ هاجم القرية ثعلب شرس قوي، فتصدت له كلاب القرية التي لم تلبث أن فرت منهزمة أمام بطشه، ولم يصمد له إلا"المقدم"الذي راح يناوشه.

ويشتد العراك بينهما فيتناهشان، وينال كل منهم من الآخر غير أن الثعلب يلوذ بالفرار لما أقبلت نحوه بعض الكلاب العائدة إلى القرية مع الرعاة.

عاد"المقدم"إلى البيت متثاقل الخطوات، تتساقط منه بعض قطرات من دم جراحاته، فيلعقها ليستسلم لنوم عميق آنًّا محشرجًا.

ولم يكد الصباح يولد حتى كان ونوس وإخوته في طرطوس في منزل الدكتور حسن طالبين منه مرافقتهم لمعاينة أبيهم الذي أصبح طريح فراشه، وأسير جراحه.

عاين الدكتور حسن"المقدم"ووصف له دواء أحضروه من صيدليات طرطوس، فالتأمت جراحه، وتحسنت صحته، وراح من جديد، يناوش ويهارش، ويكر ويفر، غير أنه لم يستعد كامل صحته وقوته على ما كان يبدو منه فلم يعد يحتمل المعارك كما كان سابقًا.

ولم تمض غير أسابيع قليلة حتى بدت على المقدم علامات مريبة غريبة إذ كثر نباحه وعراكه ليل نهار، وراح يهاجم كل من يقترب منه وينقضّ أحيانًا على من يحضر له الطعام أو الشراب واختفت هزة الذيل، ولم يحفظ الودّ، ولم يرع العهد، فعض أم ونوس وونوسًا وزوجته وبعض المارة.

سمع أهل القرية بذلك فأضحوا يتحاشون المرور قرب بيته، أما مخلوف فقد رفض الاقتراب من بيت جده، وظل بعيدًا فقد أدرك أن الكلب مصاب بداء الكَلَب من أثر عضات الثعلب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت