فاعترض عليه القاضي الرّيحاني منتصرًا للشافعي ومالك ـ وإن لم ير مذهبهما ـ فقال: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } [التوبة: 6] ، فقال له الصاغاني: هذا لا يليق بمنصب القاضي وعلمه، فإن هذه الآية التي اعترضت بها عليّ عامة في الأماكن، والآية التي احتججت بها خاصة، ولا يجوز لأحد أن يقول إن العام ينسخ الخاص، فأبهت القاضي الريحاني، وهذا من بديع الكلام (15) .
ووجه الغرابة في هذه المناظرة أن الرجل ذهب إلى موافقة الحنفية في الحكم واستدل بنقيض دليلهم. فالحنفية يرون حرمة قتل الجاني إذا دخل الحرم، ولا يجيزون القتال في الحرم إلا إذا بدأ الكفار القتال فيه (16) ، ويستدلّون على ذلك بقوله تعالى: { ومن دخله كان آمنا } [آل عمران: 97] ،وبقوله تعالى: { ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه } [البقرة: 191] .
والحنفية يخالفون الجمهور في فهمهم لتخصيص العام فإنهم يشترطون في الدليل ليكون مخصصًا للعام أن يكون مستقلًا عن جملة العام مقارنًا له في الزمان، بأن يردا عن الشارع في وقت واحد (17) ، وذلك كقوله تعالى: { وأحلّ الله البيع وحرّم الربا } [البقرة: 275] ، فإن دليل التخصيص في هذه الآية مستقل مقارن.
ولذلك فالحنفية يعرّفون التخصيص بقولهم: هو قصر العام على بعض أفراده بدليل مستقل مقترن (18) ، وإذا كان الدليل مستقلًا، ولكنه لم يكن مقارنًا للعام، بل متراخيًا عنه، فلا يسمى ذلك تخصيصًا، بل نسخًا أي رفعًا للحكم. فإذا تراخى دليل التخصيص فإنه يكون نسخًا لا تخصيصًا خلافًا لمذهب الجمهور في المسألة.
فهذا الرجل استدل برأي الجمهور في تخصيص العام (19) ووافق الحنفية في الحكم، فهو وإن وافق سائله في الحكم إلا أنه قلب عليه الاستدلال، وهذا ما دعى الإمام ابن العربي للقول: فأبهت القاضي الريحاني، لأن الريحاني كان حنفي المذهب الفقهي.