الصفحة 115 من 181

تَدَارَكَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ اتِّبَاعِ الْهَوَى بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ. {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ} وَمَنْ اسْتَحَلَّ ذَلِكَ أَوْ اتَّخَذَهُ دِينًا كَانَ ضَالًّا مُضَاهِيًا لِلْمُشْرِكِينَ وَالنَّصَارَى وَمَنْ فَعَلَهُ مَعَ اعْتِرَافِهِ بِأَنَّهُ ذَنْبٌ أَوْ مَعْصِيَةٌ كَانَ عَاصِيًا أَوْ فَاسِقًا. وَكَذَلِكَ مُؤَاخَاةُ"الْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ"بِحَيْثُ يَخْلُو بِهَا وَيَنْظُرُ مِنْهَا مَا لَيْسَ لِلْأَجْنَبِيِّ أَنْ يَنْظُرَهُ حَرَامٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَاِتِّخَاذُ ذَلِكَ دِينًا وَطَرِيقًا كُفْرٌ وَضَلَالٌ. وَالْمَالُ الَّذِي يُؤْخَذُ لِأَجْلِ إقْرَارِهِمْ وَمَعُونَةً عَلَى مُحَادَثَةِ الرَّجُلِ الْأَمْرَدِ هِيَ مِنْ جِنْسِ جُعْلِ القوادة وَمُطَالَبَتِهِمْ لَهُ بِالصُّحْبَةِ مِنْ جِنْسِ الْعُرْسِ عَلَى الْبَغْيِ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَبَاحَ النِّكَاحَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ فَالْمَرْأَةُ الْمُسَافِحَةُ تَزْنِي بِمَنْ اتَّفَقَ لَهَا وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ الْمُسَافِحُ: الَّذِي يَزْنِي مَعَ مَنْ اتَّفَقَ لَهُ. وَأَمَّا الْمُتَّخِذُ الْخِدْنَ فَهُوَ الرَّجُلُ يَكُونُ لَهُ صَدِيقَةٌ وَالْمَرْأَةُ يَكُونُ لَهَا صَدِيقٌ فَالْأَمْرَدُ الْمُخَادِنُ لِلْوَاحِدِ مِنْ هَؤُلَاءِ مِنْ جِنْسِ الْمَرْأَةِ الْمُتَّخَذَةِ خِدْنًا. وَكَذَلِكَ الْجُعْلُ وَالْمَالُ الَّذِي يُؤْخَذُ عَلَى هَذَا مِنْ جِنْسِ مَهْرِ الْبَغِيِّ وَجُعْلِ القوادة وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَأَمَّا"الماجريات"فَإِذَا اخْتَصَمَ رَجُلَانِ بِقَوْلِ أَوْ فِعْلٍ وَجَبَ أَنْ يُقَامَ فِي أَمْرِهِمَا بِالْقِسْطِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ} . وَقَالَ {كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ} وَقَالَ: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ} الْآيَةَ. وَقَدْ رُوِيَ: أَنَّ اقْتِتَالَهُمَا كَانَ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} الْآيَةَ. وَقَالَ: {إنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} . وَقَالَ: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} . وَقَالَ: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} الْآيَةَ. فَإِنْ كَانَ الشَّخْصَانِ قَدْ اخْتَصَمَا نَظَرَ أَمْرَهُمَا فَإِنْ تَبَيَّنَ ظُلْمُ أَحَدِهِمَا كَانَ الْمَظْلُومُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الِاسْتِيفَاءِ وَالْعَفْوِ وَالْعَفْوُ أَفْضَلُ فَإِنْ كَانَ ظُلْمُهُ بِضَرْبِ أَوْ لَطْمٍ فَلَهُ أَنْ يَضْرِبَهُ أَوْ يَلْطِمَهُ كَمَا فَعَلَ بِهِ عِنْدَ جَمَاهِيرِ السَّلَفِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَبِذَلِكَ جَاءَتْ السُّنَّةُ. وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ يُؤَدَّبُ وَلَا قِصَاصَ فِي ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ قَدْ سَبَّهُ فَلَهُ أَنْ يَسُبَّهُ مِثْلَ مَا سَبَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ عُدْوَانٌ عَلَى حَقٍّ مَحْضٍ لِلَّهِ أَوْ عَلَى غَيْرِ الظَّالِمِ. فَإِذَا لَعَنَهُ أَوْ سَمَّاهُ بِاسْمِ كَلْبٍ وَنَحْوِهِ فَلَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ فَإِذَا لَعَنَ أَبَاهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَلْعَنَ أَبَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَظْلِمْهُ. وَإِنْ افْتَرَى عَلَيْهِ كَذِبًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَفْتَرِيَ عَلَيْهِ كَذِبًا؛ لِأَنَّ الْكَذِبَ حَرَامٌ لِحَقِّ اللَّهِ. كَمَا قَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي الْقِصَاصِ فِي الْبَدَنِ: أَنَّهُ إذَا جَرَحَهُ أَوْ خَنَقَهُ أَوْ ضَرَبَهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ يَفْعَلُ بِهِ كَمَا فَعَلَ. فَهَذَا أَصَحُّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ مُحَرَّمًا لِحَقِّ اللَّهِ كَفِعْلِ الْفَاحِشَةِ أَوْ تَجْرِيعِهِ الْخَمْرَ فَقَدْ نَهَى عَنْ مِثْلِ هَذَا أَكْثَرُهُمْ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ سَوَّغَهُ بِنَظِيرِ ذَلِكَ. وَإِذَا اعْتَرَفَ الظَّالِمُ بِظُلْمِهِ وَطَلَبَ مِنْ الْمَظْلُومِ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ وَيَسْتَغْفِرَ اللَّهَ لَهُ فَهَذَا حَسَنٌ مَشْرُوعٌ. كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ: {أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ كَلَامٌ وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ طَلَبَ مِنْ عُمَرَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ فَأَبَى عُمَرُ ثُمَّ نَدِمَ. فَطَلَبَ أَبَا بَكْرٍ فَوَجَدَهُ قَدْ سَبَقَهُ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَك يَا أَبَا بَكْرٍ ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ؛ إنِّي قَدْ جِئْت إلَيْكُمْ فَقُلْت: إنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَقُلْتُمْ: كَذَبْت؛ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: صَدَقْت فَهَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو لِي صَاحِبِي} ؟". وَإِذَا طَلَبَ مِنْ الْمَظْلُومِ الْعَفْوَ بَعْدَ اعْتِرَافِ الظَّالِمِ فَأَجَابَ: كَانَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ الَّذِينَ أَجْرُهُمْ عَلَى اللَّهِ وَإِنْ أَبَى إلَّا طَلَبَ حَقِّهِ لَمْ يَكُنْ ظَالِمًا. لَكِنْ يَكُونُ قَدْ تَرَكَ الْأَفْضَلَ الْأَحْسَنَ فَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يُخْرِجَهُ عَنْ أَهْلِ الطَّرِيقِ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ كَمَا قَدْ يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ} {إنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} فَإِنَّهُ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت