الصفحة 119 من 181

نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَسَتَكُونُ خُلَفَاءُ فَتَكْثُرُ؛ قَالُوا فَمَا تَامُرُنَا؟ قَالَ: فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ؛ ثُمَّ أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ. فَقَوْلُهُ:"فَتَكْثُرُ"دَلِيلٌ عَلَى مَنْ سِوَى الرَّاشِدِينَ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا كَثِيرًا. وَأَيْضًا قَوْلُهُ: {فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ} دَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ؛ وَالرَّاشِدُونَ لَمْ يَخْتَلِفُوا. وَقَوْلُهُ: {فَأَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ} دَلِيلٌ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ؛ فِي إعْطَاءِ الْأُمَرَاءِ حَقَّهُمْ؛ مِنْ الْمَالِ وَالْمَغْنَمِ. وَقَدْ ذَكَرْت فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضُوعِ أَنَّ مَصِيرَ الْأَمْرِ إلَى الْمُلُوكِ وَنُوَّابِهِمْ مِنْ الْوُلَاةِ؛ وَالْقُضَاةِ وَالْأُمَرَاءِ لَيْسَ لِنَقْصِ فِيهِمْ فَقَطْ بَلْ لِنَقْصِ فِي الرَّاعِي وَالرَّعِيَّةِ جَمِيعًا؛ فَإِنَّهُ"كَمَا تَكُونُونَ: يُوَلَّى عَلَيْكُمْ"وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا} وَقَدْ اسْتَفَاضَ وَتَقَرَّرَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ مَا قَدْ أَمَرَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ طَاعَةِ الْأُمَرَاءِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةِ اللَّهِ؛ وَمُنَاصَحَتِهِمْ وَالصَّبْرِ عَلَيْهِمْ فِي حُكْمِهِمْ وَقَسْمِهِمْ؛ وَالْغَزْوِ مَعَهُمْ وَالصَّلَاةِ خَلْفَهُمْ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ مُتَابَعَتِهِمْ فِي الْحَسَنَاتِ الَّتِي لَا يَقُومُ بِهَا إلَّا هُمْ؛ فَإِنَّهُ مِنْ"بَابِ التَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى"وَمَا نَهَى عَنْهُ مِنْ تَصْدِيقِهِمْ بِكَذِبِهِمْ وَإِعَانَتِهِمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَطَاعَتِهِمْ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ مِمَّا هُوَ مِنْ"بَابِ التَّعَاوُنِ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ"وَمَا أَمَرَ بِهِ أَيْضًا مِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ: لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ؛ وَمَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مِنْ تَبْلِيغِ رِسَالَاتِ اللَّهِ إلَيْهِمْ؛ بِحَيْثُ لَا يَتْرُكُ ذَلِكَ جُبْنًا وَلَا بُخْلًا وَلَا خَشْيَةً لَهُمْ وَلَا اشْتِرَاءً لِلثَّمَنِ الْقَلِيلِ بِآيَاتِ اللَّهِ؛ وَلَا يَفْعَلُ أَيْضًا لِلرِّئَاسَةِ عَلَيْهِمْ وَلَا عَلَى الْعَامَّةِ وَلَا لِلْحَسَدِ وَلَا لِلْكِبَرِ وَلَا لِلرِّيَاءِ لَهُمْ وَلَا لِلْعَامَّةِ. وَلَا يُزَالُ الْمُنْكَرُ بِمَا هُوَ أَنْكَرُ مِنْهُ. بِحَيْثُ يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ بِالسِّلَاحِ؛ وَتُقَامُ الْفِتَنُ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ مِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ النَّبَوِيَّةُ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْفَسَادِ الَّذِي يَرْبُو عَلَى فَسَادِ مَا يَكُونُ مِنْ ظُلْمِهِمْ؛ بَلْ يُطَاعُ اللَّهُ فِيهِمْ وَفِي غَيْرِهِمْ وَيُفْعَلُ مَا أَمَرَ بِهِ وَيُتْرَكُ مَا نَهَى عَنْهُ. وَهَذِهِ جُمْلَةٌ تَفْصِيلُهَا يَحْتَاجُ إلَى بَسْطٍ كَثِيرٍ وَالْغَرَضُ هُنَا بَيَانُ"جِمَاعِ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ"الْوَاقِعَةِ بَعْدَ خِلَافَةِ النُّبُوَّةِ: فِي الْإِمَارَةِ وَفِي تَرْكِهَا؛ فَإِنَّهُ مَقَامُ خَطَرٍ؛ وَذَلِكَ أَنَّ خَبَرَهُ بِانْقِضَاءِ"خِلَافَةِ النُّبُوَّةِ"فِيهِ الذَّمُّ لِلْمَلِكِ وَالْعَيْبِ لَهُ؛ لَا سِيَّمَا وَفِي حَدِيثِ {أَبِي بَكْرَةَ: أَنَّهُ اسْتَاءَ لِلرُّؤْيَا وَقَالَ: خِلَافَةُ نُبُوَّةٍ ثُمَّ يُؤْتِي اللَّهُ الْمُلْكَ مَنْ يَشَاءُ} . ثُمَّ النُّصُوصُ الْمُوجِبَةُ لِنَصْبِ الْأَئِمَّةِ وَالْأُمَرَاءِ وَمَا فِي الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الَّتِي يَتَوَلَّوْنَهَا مِنْ الثَّوَابِ: حَمْدٌ لِذَلِكَ وَتَرْغِيبٌ فِيهِ؛ فَيَجِبُ تَخْلِيصُ مَحْمُودِ ذَلِكَ مِنْ مَذْمُومِهِ وَفِي حُكْمِ اجْتِمَاعِ الْأَمْرَيْنِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {إنَّ اللَّهَ خَيَّرَنِي بَيْنَ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا رَسُولًا وَبَيْنَ أَنْ أَكُونَ نَبِيًّا مَلَكًا فَاخْتَرْت أَنْ أَكُونَ عَبْدًا رَسُولًا} فَإِذَا كَانَ الْأَصْلُ فِي ذَلِكَ شَوْبُ الْوِلَايَةِ؛ مِنْ الْإِمَارَةِ وَالْقَضَاءِ وَالْمُلْكُ: هَلْ هُوَ جَائِزٌ فِي الْأَصْلِ وَالْخِلَافَةُ مُسْتَحَبَّةٌ؟ أَمْ لَيْسَ بِجَائِزِ إلَّا لِحَاجَةِ مِنْ نَقْصِ عِلْمٍ أَوْ نَقْصِ قُدْرَةٍ بِدُونِهِ؟ فَنَحْتَجُّ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِجَائِزِ فِي الْأَصْلِ بَلْ الْوَاجِبُ خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي تَمَسَّكُوا بِهَا؛ وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ} بَعْدَ قَوْلِهِ: {مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا} فَهَذَا أَمْرٌ وَتَحْضِيضٌ عَلَى لُزُومِ سُنَّةِ الْخُلَفَاءِ وَأَمْرٌ بِالِاسْتِمْسَاكِ بِهَا وَتَحْذِيرٌ مِنْ الْمُحْدَثَاتِ الْمُخَالِفَةِ لَهَا وَهَذَا الْأَمْرُ مِنْهُ وَالنَّهْيُ: دَلِيلٌ بَيِّنٌ فِي الْوُجُوبِ. ثُمَّ اخْتَصَّ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: {اقْتَدُوا بالذين مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ} فَهَذَانِ أُمِرَ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِمَا وَالْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ أُمِرَ بِلُزُومِ سُنَّتِهِمْ. وَفِي هَذَا تَخْصِيصٌ لِلشَّيْخَيْنِ مِنْ وَجْهَيْنِ"أَحَدُهُمَا"أَنَّ"السُّنَّةَ"مَا سَنُّوهُ لِلنَّاسِ. وَأَمَّا"الْقُدْوَةُ"فَيَدْخُلُ فِيهَا الِاقْتِدَاءُ بِهِمَا فِيمَا فَعَلَاهُ مِمَّا لَمْ يَجْعَلُوهُ سُنَّةً"الثَّانِي"أَنَّ السُّنَّةَ أَضَافَهَا إلَى الْخُلَفَاءِ؛ لَا إلَى كُلٍّ مِنْهُمْ. فَقَدْ يُقَالُ: أَمَّا ذَلِكَ فِيمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ؛ دُونَ مَا انْفَرَدَ بِهِ بَعْضُهُمْ. وَأَمَّا الْقُدْوَةُ فَعَيْنُ الْقُدْوَةِ بِهَذَا وَبِهَذَا. وَفِي هَذَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت