فهرس الكتاب
الْمَغْفِرَةُ وَالْعَذَابُ"فَقَدْ دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى أَنَّ مَنْ فِي قَلْبِهِ الْكُفْرُ وَبُغْضُ الرَّسُولِ وَبُغْضُ مَا جَاءَ بِهِ أَنَّهُ كَافِرٌ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ وَقَدْ عَفَا اللَّهُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ - وَهُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا الَّذِينَ لَمْ يَرْتَابُوا - عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَا تَتَكَلَّمُ بِهِ أَوْ تَعْمَلُ كَمَا هُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَنَّ الَّذِي يَهِمُّ بِالْحَسَنَةِ تُكْتَبُ لَهُ وَاَلَّذِي يَهِمُّ بِالسَّيِّئَةِ لَا تُكْتَبُ عَلَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَهَا} إذَا كَانَ مُؤْمِنًا مِنْ عَادَتِهِ عَمَلُ الْحَسَنَاتِ وَتَرْكُ السَّيِّئَاتِ فَإِنْ تَرَكَ السَّيِّئَةَ لِلَّهِ كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ فَإِذَا أَبْدَى الْعَبْدُ مَا فِي نَفْسِهِ مِنْ الشَّرِّ بِقَوْلِ أَوْ فِعْلٍ صَارَ مِنْ الْأَعْمَالِ الَّتِي يَسْتَحِقُّ عَلَيْهَا الذَّمَّ وَالْعِقَابَ وَإِنْ أَخْفَى ذَلِكَ وَكَانَ مَا أَخْفَاهُ مُتَضَمِّنًا لِتَرْكِ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَالرَّسُولِ مِثْلُ الشَّكِّ فِيمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ أَوْ بُغْضِهِ كَانَ مُعَاقَبًا عَلَى مَا أَخْفَاهُ فِي نَفْسِهِ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْإِيمَانَ الَّذِي لَا نَجَاةَ وَلَا سَعَادَةَ إلَّا بِهِ وَأَمَّا إنْ كَانَ وَسْوَاسًا وَالْعَبْدُ يَكْرَهُهُ فَهَذَا صَرِيحُ الْإِيمَانِ كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي الصَّحِيحِ. وَهَذِهِ"الْوَسْوَسَةُ"هِيَ مِمَّا يَهْجُمُ عَلَى الْقَلْبِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ الْإِنْسَانِ فَإِذَا كَرِهَهُ الْعَبْدُ وَنَفَاهُ كَانَتْ كَرَاهَتُهُ صَرِيحَ الْإِيمَانِ وَقَدْ خَافَ مَنْ خَافَ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْ الْعُقُوبَةِ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ تَعَالَى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا} . و"الْوُسْعُ"فِعْلٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ أَيْ مَا يَسَعُهُ لَا يُكَلِّفُهَا مَا تُضِيقُ عَنْهُ فَلَا تَسَعُهُ وَهُوَ الْمَقْدُورُ عَلَيْهِ الْمُسْتَطَاعُ وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إنَّ"الْوُسْعَ"اسْمٌ لِمَا يَسَعُ الْإِنْسَانَ وَلَا يُضَيِّقُ عَلَيْهِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ بَلْ مَا يَسَعُ الْإِنْسَانَ هُوَ مُبَاحٌ لَهُ وَمَا لَمْ يَسَعْهُ لَيْسَ مَامُورًا بِهِ فَمَا يَسَعُهُ قَدْ يُؤْمَرُ بِهِ وَأَمَّا مَا لَا يَسَعُهُ فَهُوَ الْمُبَاحُ يُقَالُ: يَسَعُنِي أَنْ أَفْعَلَ كَذَا وَلَا يَسَعُنِي أَنْ أَفْعَلَ كَذَا وَالْمُبَاحُ هُوَ الْوَاسِعُ وَمِنْهُ بَاحَةُ الدَّارِ فَالْمُبَاحُ لَك أَنْ تَفْعَلَهُ هُوَ يَسَعُك وَلَا تَخْرُجُ عَنْهُ وَمِنْهُ يُقَالُ: رَحِمَ اللَّهُ مِنْ وَسِعَتْهُ السُّنَّةُ فَلَمْ يَتَعَدَّهَا إلَى الْبِدْعَةِ: أَيْ فِيمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَمَا أَبَاحَهُ مَا يَكْفِي الْمُؤْمِنَ الْمُتَّبِعَ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ لَا يَحْتَاجُ أَنْ يُخْرَجَ عَنْهُ إلَى مَا نُهِيَ عَنْهُ. وَأَمَّا مَا كُلِّفْت بِهِ فَهُوَ مَا أُمِرْت بِفِعْلِهِ وَذَلِكَ يَكُونُ مِمَّا تَسَعُهُ أَنْتَ لَا مِمَّا يَسَعُك هُوَ وَقَدْ يُقَالُ: لَا يَسَعُنِي تَرْكُهُ؛ بَلْ تَرْكُهُ مُحَرَّمٌ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا} وَهُوَ أَوَّلُ الْحَرَامِ وَقَالَ: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا} وَهِيَ آخِرُ الْحَلَالِ وَقَالَ: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} وَهَذَا التَّغْيِيرُ نَوْعَانِ: (أَحَدُهُمَا: أَنْ يُبْدُوا ذَلِكَ فَيَبْقَى قَوْلًا وَعَمَلًا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الذَّمُّ وَالْعِقَابُ. و (الثَّانِي أَنْ يُغَيِّرُوا الْإِيمَانَ الَّذِي فِي قُلُوبِهِمْ بِضِدِّهِ مِنْ الرَّيْبِ وَالشَّكِّ وَالْبُغْضِ وَيَعْزِمُوا عَلَى تَرْكِ فِعْلِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ فَيَسْتَحِقُّونَ الْعَذَابَ هُنَا عَلَى تَرْكِ الْمَامُورِ وَهُنَاكَ عَلَى فِعْلِ الْمَحْظُورِ. وَكَذَلِكَ مَا فِي النَّفْسِ مِمَّا يُنَاقِضُ مَحَبَّةَ اللَّهِ وَالتَّوَكُّلَ عَلَيْهِ وَالْإِخْلَاصَ لَهُ وَالشُّكْرَ لَهُ يُعَاقَبُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ كُلَّهَا وَاجِبَةٌ فَإِذَا خُلِّيَ الْقَلْبُ عَنْهَا وَاتَّصَفَ بِأَضْدَادِهَا اسْتَحَقَّ الْعَذَابَ عَلَى تَرْكِ هَذِهِ الْوَاجِبَاتِ. وَبِهَذَا التَّفْصِيلِ تَزُولُ شُبَهٌ كَثِيرَةٌ وَيَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ النُّصُوصِ فَإِنَّهَا كُلَّهَا مُتَّفِقَةٌ عَلَى ذَلِكَ فَالْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ خِلَافَ مَا يُبْطِنُونَ يُعَاقَبُونَ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ؛ بَلْ أَضْمَرَتْ الْكُفْرَ قَالَ تَعَالَى: {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} وَقَالَ: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} وَقَالَ: {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} فَالْمُنَافِقُ لَا بُدَّ أَنْ يُظْهِرَ فِي قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى نِفَاقِهِ وَمَا أَضْمَرَهُ كَمَا قَالَ عُثْمَانُ بْنُ عفان: مَا أَسَرَّ أَحَدٌ سَرِيرَةً إلَّا أَظْهَرَهَا اللَّهُ عَلَى صَفَحَاتِ وَجْهِهِ وَفَلَتَاتِ لِسَانِهِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى عَنْ الْمُنَافِقِينَ: {وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ} ثُمَّ قَالَ: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} وَهُوَ جَوَابُ قِسْمٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: وَاَللَّهِ لَتَعْرِفَهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ فَمَعْرِفَةُ الْمُنَافِقِ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ لَا بُدَّ مِنْهَا وَأَمَّا مَعْرِفَتُهُ بِالسِّيمَا فَمَوْقُوفَةٌ عَلَى الْمَشِيئَةِ. وَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} خَبَرًا مِنْ اللَّهِ؛ لَيْسَ فِيهَا إثْبَاتٌ إيمَانٍ لِلْعَبْدِ بِخِلَافِ الْآيَتَيْنِ بَعْدَهَا كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْآيَتَانِ مِنْ آخِرِ"