الصفحة 134 من 181

مُوجَبِ ذَلِكَ عَلَى الْجَوَارِحِ فَمَنْ قَالَ: إنَّهُ يُصَدِّقُ الرَّسُولَ وَيُحِبُّهُ وَيُعَظِّمُهُ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ قَطُّ بِالْإِسْلَامِ وَلَا فَعَلَ شَيْئًا مِنْ وَاجِبَاتِهِ بِلَا خَوْفٍ فَهَذَا لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا فِي الْبَاطِنِ؛ وَإِنَّمَا هُوَ كَافِرٌ. وَزَعَمَ جَهْمٌ وَمَنْ وَافَقَهُ أَنَّهُ يَكُونُ مُؤْمِنًا فِي الْبَاطِنِ وَأَنَّ مُجَرَّدَ مَعْرِفَةِ الْقَلْبِ وَتَصْدِيقِهِ يَكُونُ إيمَانًا يُوجِبُ الثَّوَابَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلَا قَوْلٍ وَلَا عَمَلٍ ظَاهِرٍ وَهَذَا بَاطِلٌ شَرْعًا وَعَقْلًا كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَقَدْ كَفَّرَ السَّلَفُ كَوَكِيعِ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا مَنْ يَقُولُ بِهَذَا الْقَوْلِ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ} فَبَيَّنَ أَنَّ صَلَاحَ الْقَلْبِ مُسْتَلْزِمٌ لِصَلَاحِ الْجَسَدِ فَإِذَا كَانَ الْجَسَدُ غَيْرَ صَالِحٍ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْقَلْبَ غَيْرُ صَالِحٍ وَالْقَلْبُ الْمُؤْمِنُ صَالِحٌ فَعُلِمَ أَنَّ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِالْإِيمَانِ وَلَا يَعْمَلُ بِهِ لَا يَكُونُ قَلْبُهُ مُؤْمِنًا حَتَّى إنَّ الْمُكْرَهَ إذَا كَانَ فِي إظْهَارِ الْإِيمَانِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَكَلَّمَ مَعَ نَفْسِهِ وَفِي السِّرِّ مَعَ مَنْ يَامَنُ إلَيْهِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَظْهَرَ عَلَى صَفَحَاتِ وَجْهِهِ وَفَلَتَاتِ لِسَانِهِ كَمَا قَالَ عُثْمَانُ. وَأَمَّا إذَا لَمْ يَظْهَرُ أَثَرُ ذَلِكَ لَا بِقَوْلِهِ وَلَا بِفِعْلِهِ قَطُّ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقَلْبِ إيمَانٌ. وَذَلِكَ أَنَّ الْجَسَدَ تَابِعٌ لِلْقَلْبِ فَلَا يَسْتَقِرُّ شَيْءٌ فِي الْقَلْبِ إلَّا ظَهَرَ مُوجَبُهُ وَمُقْتَضَاهُ عَلَى الْبَدَنِ وَلَوْ بِوَجْهِ مِنْ الْوُجُوهِ وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ كُلُّ مُوجَبِهِ لِمُعَارِضِ فَالْمُقْتَضِي لِظُهُورِ مُوجَبِهِ قَائِمٌ؛ وَالْمُعَارِضُ لَا يَكُونُ لَازِمًا لِلْإِنْسَانِ لُزُومَ الْقَلْبِ لَهُ؛ وَإِنَّمَا يَكُونُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ مُتَعَذِّرًا إذَا كَتَمَ مَا فِي قَلْبِهِ كَمُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ مَعَ أَنَّهُ قَدْ دَعَا إلَى الْإِيمَانِ دُعَاءً ظَهَرَ بِهِ مِنْ إيمَانِ قَلْبِهِ مَا لَا يَظْهَرُ مِنْ إيمَانِ مَنْ أَعْلَنَ إيمَانَهُ بَيْنَ مُوَافَقِيهِ وَهَذَا فِي مَعْرِفَةِ الْقَلْبِ وَتَصْدِيقِهِ. وَمِنْهَا قَصْدُ الْقَلْبِ وَعَزْمُهُ إذَا قَصَدَ الْفِعْلَ وَعَزَمَ عَلَيْهِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى مَا قَصَدَهُ هَلْ يُمْكِنُ أَنْ لَا يُوجَدَ شَيْءٌ مِمَّا قَصَدَهُ وَعَزَمَ عَلَيْهِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ إذَا حَصَلَ الْقَصْدُ الْجَازِمُ مَعَ الْقُدْرَةِ وَجَبَ وُجُودُ الْمَقْدُورِ وَحَيْثُ لَمْ يَفْعَلْ الْعَبْدُ مَقْدُورَهُ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ قَصْدٌ جَازِمٌ وَقَدْ يَحْصُلُ قَصْدٌ جَازِمٌ مَعَ الْعَجْزِ عَنْ الْمَقْدُورِ لَكِنْ يَحْصُلُ مَعَهُ مُقَدِّمَاتُ الْمَقْدُورِ وَقِيلَ: بَلْ قَدْ يُمْكِنُ حُصُولُ الْعَزْمِ التَّامِّ بِدُونِ أَمْرٍ ظَاهِرٍ. وَهَذَا نَظِيرُ قَوْلِ مَنْ قَالَ ذَلِكَ فِي الْمَعْرِفَةِ وَالتَّصْدِيقِ وَهُمَا مِنْ أَقْوَالِ أَتْبَاعِ جَهْمٍ الَّذِينَ نَصَرُوا قَوْلَهُ فِي الْإِيمَانِ كَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَأَمْثَالِهِ فَإِنَّهُمْ نَصَرُوا قَوْلَهُ وَخَالَفُوا السَّلَفَ وَالْأَئِمَّةَ وَعَامَّةَ طَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ. وَبِهَذَا يَنْفَصِلُ النِّزَاعُ فِي"مُؤَاخَذَةِ الْعَبْدِ بالهمة"فَمِنْ النَّاسِ: مَنْ قَالَ: يُؤَاخَذُ بِهَا إذَا كَانَتْ عَزْمًا وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يُؤَاخَذُ بِهَا وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ الْهِمَّةَ إذَا صَارَتْ عَزْمًا فَلَا بُدَّ أَنْ يَقْتَرِنَ بِهَا قَوْلٌ أَوْ فِعْلٌ؛ فَإِنَّ الْإِرَادَةَ مَعَ الْقُدْرَةِ تَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْمَقْدُورِ. وَاَلَّذِينَ قَالُوا: يُؤَاخَذُ بِهَا احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: {إذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ} الْحَدِيثَ وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ؛ فَإِنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي رَجُلَيْنِ اقْتَتَلَا كُلٌّ مِنْهُمَا يُرِيدُ قَتْلَ الْآخَرِ وَهَذَا لَيْسَ عَزْمًا مُجَرَّدًا؛ بَلْ هُوَ عَزْمٌ مَعَ فِعْلِ الْمَقْدُورِ؛ لَكِنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ إتْمَامِ مُرَادِهِ وَهَذَا يُؤَاخَذُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ فَمَنْ اجْتَهَدَ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ وَسَعَى فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ وَعَمَلِهِ ثُمَّ عَجَزَ فَإِنَّهُ آثِمٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ كَالشَّارِبِ وَإِنْ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ شُرْبٌ وَكَذَلِكَ مَنْ اجْتَهَدَ عَلَى الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ وَعَمَلِهِ ثُمَّ عَجَزَ فَهُوَ آثِمٌ كَالْفَاعِلِ وَمِثْلُ ذَلِكَ فِي قَتْلِ النَّفْسِ وَغَيْرِهِ كَمَا جَعَلَ الدَّاعِيَ إلَى الْخَيْرِ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الْمَدْعُوِّ وَوِزْره لِأَنَّهُ أَرَادَ فِعْلَ الْمَدْعُوِّ وَفِعْلَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَالْإِرَادَةُ الْجَازِمَةُ مَعَ فِعْلِ الْمَقْدُورِ مِنْ ذَلِكَ فَيَحْصُلُ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الْفَاعِلِ وَوِزْرِهِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ} الْآيَةَ. وَفَصْلُ الْخِطَابِ فِي الْآيَةِ أَنَّ {أُولِي الضَّرَرِ} نَوْعَانِ: نَوْعٌ لَهُمْ عَزْمٌ تَامٌّ عَلَى الْجِهَادِ وَلَوْ تَمَكَّنُوا لَمَا قَعَدُوا وَلَا تَخَلَّفُوا وَإِنَّمَا أَقْعَدَهُمْ الْعُذْرُ فَهُمْ كَمَا {قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ بِالْمَدِينَةِ رِجَالًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إلَّا كَانُوا مَعَكُمْ قَالُوا: وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ قَالَ: وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ حَبَسَهُمْ الْعُذْرُ} وَهُمْ أَيْضًا كَمَا قَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي كَبْشَةَ الأنماري

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت