الصفحة 95 من 181

الْمَتْلُوُّ. وَقَدْ يُرَادُ بِاللَّفْظِ الْمَلْفُوظُ وَبِالتِّلَاوَةِ الْمَتْلُوُّ وَبِالْقِرَاءَةِ الْمَقْرُوءُ وَهُوَ الْقَوْلُ الْمَسْمُوعُ وَذَلِكَ هُوَ الْمَتْلُوُّ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْقُرْآنَ الْمَتْلُوَّ: الَّذِي يَتْلُوهُ الْعَبْدُ وَيَلْفِظُ بِهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَقَدْ يُرَادُ بِذَلِكَ مَجْمُوعُ الْأَمْرَيْنِ. فَلَا يَجُوزُ إطْلَاقُ الْخَلْقِ عَلَى الْجَمِيعِ وَلَا نَفْيُ الْخَلْقِ عَنْ الْجَمِيعِ. وَصَارَ"ابْنُ كُلَّابٍ"يُرِيدُ بِالتِّلَاوَةِ الْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ وَبِالْمَتْلُوِّ الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِالذَّاتِ وَهَؤُلَاءِ إذَا قَالُوا: التِّلَاوَةُ غَيْرُ الْمَتْلُوِّ وَهِيَ مَخْلُوقَةٌ: كَأَنَّ مُرَادَهُمْ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِالْقُرْآنِ الْعَرَبِيِّ بَلْ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ مَخْلُوقٌ. وَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ. وَيَظُنُّ هَؤُلَاءِ أَنَّهُمْ يُوَافِقُونَ الْبُخَارِيَّ أَوْ غَيْرَهُ مِمَّنْ قَدْ يُفَرِّقُ بَيْنَ التِّلَاوَةِ وَالْمَتْلُوِّ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ. وَمِنْ الْآخَرِينَ مَنْ يَقُولُ:"التِّلَاوَةُ"هِيَ الْمَتْلُوُّ وَيُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّ نَفْسَ مَا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ هُوَ الْأَصْوَاتُ الْمَسْمُوعَةُ مِنْ الْقُرَّاءِ حَتَّى يَجْعَلَ الصَّوْتَ الْمَسْمُوعَ مِنْ الْعَبْدِ هُوَ صَوْتَ الرَّبِّ وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: نَفْسُ صَوْتِ الْمَخْلُوقِ وَصِفَتُهُ هِيَ عَيْنُ صِفَةِ الْخَالِقِ وَهَؤُلَاءِ"اتِّحَادِيَّةٌ حُلُولِيَّةٌ فِي الصِّفَاتِ"يُشْبِهُونَ النَّصَارَى مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ وَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ. وَيَظُنُّ هَؤُلَاءِ أَنَّهُمْ يُوَافِقُونَ أَحْمَد وَإِسْحَاقَ وَغَيْرَهُمَا مِمَّنْ يُنْكِرُ عَلَى"اللَّفْظِيَّةِ"وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ؛ فَلِهَذَا كَانَ الْمَنْصُوصُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَد وَأَئِمَّةِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يُقَالُ: أَلْفَاظُنَا بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقَةٌ وَلَا غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ. وَلَا أَنَّ التِّلَاوَةَ هِيَ الْمَتْلُوُّ مُطْلَقًا وَلَا غَيْرُ الْمَتْلُوِّ مُطْلَقًا؛ فَإِنَّ اسْمَ الْقَوْلِ وَالْكَلَامِ قَدْ يَتَنَاوَلُ هَذَا وَهَذَا؛ وَلِهَذَا يُجْعَلُ الْكَلَامُ قَسِيمًا لِلْعَمَلِ لَيْسَ قِسْمًا مِنْهُ فِي مِثْلِ قَوْله تَعَالَى {إلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} . وَقَدْ يُجْعَلُ قِسْمًا مِنْهُ كَمَا فِي قَوْلِهِ: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} {عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} . قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ عَنْ قَوْلِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: {لَا حَسَدَ إلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فَقَالَ رَجُلٌ لَوْ أَنَّ لِي مِثْلَ مَا لِفُلَانِ لَعَمِلْت فِيهِ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ} وَلِهَذَا تَنَازَعَ أَصْحَابُ أَحْمَد فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَعْمَلُ الْيَوْمَ عَمَلًا هَلْ يَحْنَثُ بِالْكَلَامِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ. ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُ. وَلَمْ تَكُنْ"اللَّفْظِيَّةُ الخلقية"يُنْكِرُونَ كَوْنَ الْقُرْآنِ كَلَامَ اللَّهِ حُرُوفَهُ وَمَعَانِيَهُ وَأَنَّ اللَّهَ يَتَكَلَّمُ بِصَوْتِ؛ بَلْ قَدْ يَقُولُونَ: الْقُرْآنُ كُلُّهُ كَلَامُ اللَّهِ حُرُوفُهُ وَمَعَانِيهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَتَكَلَّمُ بِصَوْتِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَد وَالْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْأَئِمَّةِ وَكَمَا جَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ؛ وَلَكِنْ يَقُولُونَ الْمُنَزَّلُ إلَى الْأَرْضِ مِنْ الْحُرُوفِ وَالْمَعَانِي لَيْسَ هُوَ نَفْسَ كَلَامِ اللَّهِ الَّذِي لَيْسَ بِمَخْلُوقِ؛ بَلْ رُبَّمَا سَمَّوْهَا حِكَايَةً عَنْ كَلَامِ اللَّهِ كَمَا يَقُولُهُ ابْنُ كُلَّابٍ أَوْ عِبَارَةً عَنْ كَلَامِ اللَّهِ كَمَا يَقُولُهُ الْأَشْعَرِيُّ وَرُبَّمَا سَمَّوْهَا كَلَامَ اللَّهِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى مَفْهُومٌ عِنْدِهِمْ. وَلَكِنْ لَمَّا حَدَّثَ أَبُو مُحَمَّدٍ بْنُ كُلَّابٍ وَنَاظَرَ الْمُعْتَزِلَةَ بِطَرِيقِ قِيَاسِيَّةٍ سَلَّمَ لَهُمْ فِيهَا أُصُولًا - هُمْ وَاضِعُوهَا: مِنْ امْتِنَاعِ تَكَلُّمِهِ تَعَالَى بِالْحُرُوفِ وَامْتِنَاعِ قِيَامِ"الصِّفَاتِ الِاخْتِيَارِيَّةِ"بِذَاتِهِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ الْأَفْعَالِ وَالْكَلَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أَنَّهُ لَمْ يَخْلُ مِنْ الْحَوَادِثِ وَمَا لَمْ يَخْلُ مِنْ الْحَوَادِثِ فَهُوَ حَادِثٌ - اضْطَرَّهُ ذَلِكَ إلَى أَنْ يَقُولَ: لَيْسَ كَلَامُ اللَّهِ إلَّا مُجَرَّدُ الْمَعْنَى وَإِنَّ الْحُرُوفَ لَيْسَتْ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ؛ وَإِنْ تَنَازَعَا فِي أَنَّ الرَّبَّ كَانَ فِي الْأَزَلِ آمِرًا نَاهِيًا أَوْ صَارَ آمِرًا نَاهِيًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ. وَفِي أَنَّ"الْكَلَامَ"هَلْ هُوَ صِفَةٌ وَاحِدَةٌ كَمَا يَقُولُهُ الْأَشْعَرِيُّ أَوْ خَمْسُ صِفَاتٍ كَمَا يَقُولُهُ ابْنُ كُلَّابٍ. وَصَارَ هَؤُلَاءِ مُخَالِفِينَ لِأَئِمَّةِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ فِي شَيْئَيْنِ. (أَحَدُهُمَا أَنَّ نِصْفَ الْقُرْآنِ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ وَالنِّصْفُ الْآخَرِ لَيْسَ كَلَامَ اللَّهِ عِنْدَهُمْ؛ بَلْ خَلَقَهُ اللَّهُ فِي الْهَوَاءِ أَوْ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ أَوْ أَحْدَثَهُ جِبْرِيلُ أَوْ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَهَؤُلَاءِ فِي كَوْنِهِمْ جَعَلُوا نِصْفَ الْقُرْآنِ مَخْلُوقًا مُوَافِقِينَ لِمَنْ قَالَ بِخَلْقِهِ؛ لَكِنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إنَّ هَذَا النِّصْفَ الْمَخْلُوقَ كَلَامُ اللَّهِ وَأُولَئِكَ يَقُولُونَ: هُوَ مَخْلُوقٌ مُنْفَصِلٌ عَنْ اللَّهِ وَهُوَ كَلَامُهُ؛ لَكِنَّ أُولَئِكَ لَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت