فهرس الكتاب

‹
الصفحة 3792 من 3792

[باب قول الله تعالى:{ونضع الموازين القسط}... ]

(بَابُ: قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ} ) : في نصبِ {الْقِسْطَ} وجهانِ:

فقيل: نعتٌ للموازينِ، وعلى هذا يَرِدُ الاعتراضُ، وهو فَلِمَ أُفْرِدَ، ويُجابُ بجوابينِ؛ أحدُهما: أنَّه في الأصلِ مصدرٌ، والمصدرُ يُوَحَّدُ مطلقًا، الثاني: أنَّه على حذفِ مضافٍ؛ أي: ذوات القسط.

الوجه الثاني: أنَّه مفعولٌ مِنْ أجلِهِ، وفيه نظرٌ مِنْ حيثُ إنَّ المفعولَ له إذا كان معرَّفًا بـ «أل» ؛ يَقِلُّ تجرُّدُه مِنْ حرفِ العِلَّةِ، تقول: «جئتُ للإكرامِ» ، ويَقِلُّ: الإكرامَ، ومنهُ: [من الرجز]

~ لَا أَقْعُدُ الْجُبْنَ عَنِ الْهَيْجَاءِ وَلَوْ تَوَالَتْ زُمَرُ الْأَعْدَاءِ

إشارةٌ: {لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} : قال الكرمانيُّ: (أي: في يومِ) انتهى.

وفي هذه اللَّامِ أوجهٌ؛ أحدُها: ما قالَهُ الكرمانيُّ، الثاني: قال الزمخشريُّ: هذِهِ اللَّامُ مثلُها في قولِكَ: جئتُ لخمسٍ خَلَونَ مِنَ الشهرِ، والَّذي قاله الكرمانيُّ ذهبَ إليه ابنُ قُتيبةَ، وابنُ مالِكٍ، وهو رأيُ الكوفيِّينَ، ومنه عندَهم: {لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ} [الأعراف: 187] ، وقولُ مسكينَ الدارميِّ: [من الطويل]

~ أُولَئِكَ قَوْمِي قَدْ مَضَوْا لِسَبِيلِهِمْ كَمَا قَدْ مَضَى مِنْ قَبْلُ عَادٌ وَتُبَّعُ

وقولُ الآخَرِ: [من الطويل]

~ وَكُلُّ أَبٍ وَابْنٍ وَإِنْ عُمِّرَا مَعًا مُقِيمَيْنِ مَفْقُودٌ لِوَقْتٍ وَفَاقِدٌ

[والثالثُ: أنَّها على بابِها مِنَ التعليلِ، ولكنْ على حَذْفِ مضافٍ؛ أي: لحسابِ يومِ القيامة] .

(وَأنَّ أَعْمَالَ) : بكسرِ الهمزةِ وفتحِها.

(وَيُقَالُ: الْقِسْطُ مَصْدَرُ الْمُقْسِطِ وَهْوَ الْعَادِلُ، وَأَمَّا الْقَاسِطُ؛ فَهْوَ الْجَائِرُ) : قال الكرمانيُ:( «المقسِط» بالكسرِ مصدرُهُ «الإقساطُ» لا «القسط» ، لكن المراد: المصدرُ المحذوفُ الزوائدِ نظرًا إلى أصلِهِ، فهو مصدرُ مصدرِهِ؛ إذْ لا خفاءَ أنَّ المصدرَ الجاري على فعلِهِ هو «الإقساطُ» ، و «المقسطُ» هو العادلُ.

فإنْ قلتَ: المزيدُ لا بُدَّ أنْ يكونَ مِنْ جنسِ المزيدِ عليه؟

قلتُ: إمَّا أن يكونَ «المقسط» مِنَ «القسط» ؛ بالكسرِ، وإمَّا أنْ يكونَ مِنَ «القسط» ؛ بالفتحِ الَّذي هو بمعنى: الجور، والهمزةُ للسلبِ والإزالةِ).

وقالَ الزركشيُّ: (اعتُرِضَ عليه بأنَّ مصدرَ «المقسط» «الإقساط» ؟ وأجيبَ بأنَّ ذلكَ في الجاري على فعلِهِ، وليس هوَ مُرادَ البخاريِّ، وإنَّما أرادَ بالمصدرِ المحذوفِ الزوائدَ؛ كـ «القَدَر» مصدر «قدرتُ» ؛ إذا حذفتَ زوائِدَهُ ورددتَه إلى الأصلِ، وهو كثيرٌ، وإنَّما تحذِفُ العربُ زوائِدَ المصدرِ؛ لتَرُدَّ الكلامَ إلى أصلِهِ) انتهى.

وقالَ غيرُه: إنْ قيلَ: قولُه: (وَيُقَالُ: الْقِسْطُ مَصْدَرُ الْمُقْسِطِ) ، وهذا يقتضي أنْ يكونَ المصدرُ مشتقٌّ مِنِ اسمِ الفاعلِ، وما للنَّاسِ إلَّا قولان؛ أحدهما: أنَّ الفعل مشتقٌّ مِنَ المصدرِ، والثاني: العكس، والأوَّلُ هو مذهبُ أهلِ البصرةِ، وهو المنصور، والذي قاله البخاريُّ قولٌ ثالثٌ.

فيُجابُ عنه: بأنْ يُقالَ: (القسطُ) : مصدرٌ لاسمِ الفاعلِ، واسمِ المفعولِ، والموضِعِ، ولغيرِه: بمعنى: أنَّ الكُلَّ مشتقةٌ منه على اختيارِ ابنِ مالكٍ في «الشافيةِ» ، ويُقالُ: الَّذي يصدرُ عنِ

ص 222

المقسطِ هو القسطُ؛ أي: أنَّ المقسطَ يصدرُ عنه العدلُ، وهو القسطُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت