فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 126

فكان معاوية يخشى أهل العراق وثوراتهم وتقلباتهم وهم بعيد عن عاصمة الخلافة، ولا يخفى أن كثرة تغيير الولاة لأسباب تافهة ليست سياسة محمودة بل الرأي أن يُختار الوالي المصلح ويمكث في ولايته زمنًا حتى يتمكن من الإصلاح، اللهم إلا إذا ظهر ما يزعزع الثقة به، لكن معاوية أوصى ابنه أن يضحي بالولاة إذا ثار أهل العراق حقنًا للدماء وتجنبًا للثورات، وكان مطمئنًا من جهة أهل الشام؛ لأنه اختبرهم ومكث فيهم زمنًا طويلًا وساسهم كما يشتهي، لكنه نصح له أن يردهم إلى بلادهم متى انتصروا فإذا ساروا إلى العراق مثلًا وحاربوا وجب عليه أن يعيدهم لأنهم إن أقاموا بالعراق تخلقوا بأخلاق أهلها فيدب فيهم دبيب الخلاف والفتن، فينقلبوا عصاة على حكامهم بعد أن كانوا مطيعين لهم.

وهناك رواية أخرى لوصية معاوية لا تختلف عن هذه الرواية فيما يختص بالصفح عن الحسين والتشديد على عبد الله بن الزبير، قال:

يا بنيّ، إني قد كفيتك الرحلة والتَّرْحال، ووطَأت لك الأشياء، وذللت لك الأعداء، وأخضعت لك أعناق العرب، وجمعت لك من جمع واحد، وإني لا أتخوف أن ينازعك هذا الأمر الذي استتبّ لك إلا أربعة نفر من قريش، الحسين بن عليّ، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وأما الحسين بن علي فإن أهل العراق لن يدعوه حتى يخرجوه، فإن خرج عليك فظفرت به فاصفح عنه فإنّ له رحمًا ماسة وحقًا عظيمًا، وأما ابن أبي بكر فرجل إن رأى أصحابه صنعوا شيئًا، صنع مثله، ليس له همة إلا في النساء واللهو، وأما الذي يجثم لك جثوم الأسد ويراوغك مرواغة الثعلب، فإذا أمكنَتْهُ فرصة وثب، فذاك ابن الزبير، فإن هو فعلها بك فقدرت عليه فقطعه إربًا إربًا.

كتب أهل الكوفة إلى الحسين

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت