فهرس الكتاب
وماذا يكون من سماحة الشيخ إلا إبداء نصيحة، أو ملحوظة، أو تذكير بأمر ما، كل ذلك بأسلوب لطيف، يصحبه التقدير، والرحمة والمحبة، وتنزيل الناس منازلهم.
ومن كلماته في ذلك: بلغنا عنكم كذا وكذا، ولا يخفى عليكم أن الحكم كذا وكذا، والله_سبحانه وتعالى_يقول: كذا وكذا، والرسول"يقول: كذا وكذا، والمؤمل فيكم الخير، وعدم الرضا بما يحصل، إن كان منكرًا، أو خطأ."
ثم يدعو سماحته له ويقول: نسأل الله لكم الإعانة والتوفيق، وصلاح النية، والعمل، وأن يجعلنا وإياكم من دعاة الهدى، وأنصار الحق.
وهذه الكلمات لها أبلغ الأثر في نفوس الناس.
بل إن هيبته لم تكن لِتَقْتَصِرَ على من هو بعيد عن سماحته، بل إن الذين يعملون معه، ويرونه صباح مساء يهابونه، ويحسبون له ألف حساب، فيقومون بالعمل كما ينبغي، ولا يتكلمون عنده إلا بعد تحري الصواب، وملائمة الكلام للمقام مع ما كان منه من السماحة_كما مر_.
وأذكر أن رجلًا قدم من الاتحاد السوفيتي بعد تفكك الشيوعية، فلما دخل على سماحة الشيخ سأل عنه، فقلت له: ها هو سماحة الشيخ سَلِّم عليه، فتردد قليلًا، فقلت له: أقدم، وسلم، سماحة الشيخ من أيسر الناس، فقال: لا أجرؤ على السلام عليه، فحاولت به مرارًا حتى سلم على سماحته.
مع أن سماحة الشيخ إمامٌ من أئمة المسلمين، بل على رأس الأئمة من أهل العلم في عصره، ومع أنه مفتى المسلمين، وشيخ الإسلام في عصره، ومع أنه صاحب المعالي، والسماحة، والفضيلة، ورئيس هيئة كبار العلماء، ورئيس اللجنة الدائمة للإفتاء، وكان رئيس الجامعة الإسلامية، وغير ذلك من الألقاب التي تَشرف به لا يشرف هو بها_إلا أنه كان آية في التواضع؛ فلا يكاد يعرف له مثيل في زمانه في هذه الخصلة؛ فهو لا يرى لنفسه فضلًا، ولا يرغب في المديح، ولا في التميز على الناس، وكان محبًا للفقراء، والمساكين، حريصًا على مجالستهم، والأكل معهم.
ومن تواضعه×أنه لم يكن يحتقر الفائدة من أي أحد كائنًا من كان.