فهرس الكتاب
5_ وقبل أربعين سنة تقريبًا من وفاته كتب لوزير المالية وقال له: علي حاجة شديدة بسبب كثرة الضيوف؛ فآمل إقراضي مبلغ كذا وكذا وأنا أعيده على أقساط شهرية، تحسم من راتبي، وتم ذلك.
ولعل هذا من أعظم الأسرار في محبة الناس له، وإقبالهم عليه، وقبول نصحه، وتوجيهه، واجتماع القلوب عليه؛ لأنه لم يكن ينظر إلى ماعند الناس من المال.
لايكاد يعرف في زماننا هذا أزهد من سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز×مع أن الدنيا تقبل عليه، وتتزين له، إلا أنه زاهد بها، مشيح بوجهه عنها.
فلا أذكر في يوم من الأيام أنه سأل عن راتبه، ولا عن مقداره، ولا عن زيادته، ولا عن وقت مجيئه، ولا أذكر أنه سأل عن انتدابه، أو عن رصيده أو حسابه، لا يسأل عن ذلك ولا يعبأ به.
ولا أذكر أنه تكلم ببيع، أو شراء، أو أمر من أمور الدنيا إلا على سبيل السؤال عن حاجة أحد، أو الشفاعة له، بل كان كثير الوصية بالتحذير من الاغترار بالدنيا.
وسماحة الشيخ كان يعيش عيشة القناعة، والزهد والكفاف؛ فلم يكن يمسك شيئًا من حطام الدنيا، ولم يكن يتطلع إلى مال، أو جاه، أو منصب.
بل كان ينفق انفاق من لا يخشى الفقر، وكان زاهدًا بالجاه، والمراتب، والمديح، وحب الذكر.
ولم أسمع منه أو عنه أنه مَالَ في يوم من الأيام إلى الدنيا، أو طلب شيئًا من مُتَعِها.
وكان يكره الحديث في تغيير أثاث منزله، أو سيارته، أو أن يقال له: عندك كذا وكذا.
وكان يكره الخوض في الأحاديث الدنيوية البحتة التي ليس من ورائها مصلحة للمسلمين، أو للدعوة.
ومما يدل على زهده كثرة إنفاقه، وإسقاطه الدين عمن اقترض منه ولو كان كثيرًا؛ فلا أحصي كثرة ما طرحه من الديون عن أناس اقترضوا منه.
وأذكر أنه قبل عشر سنوات أملى عليَّ كتبًا لبعض من أقرضهم، وقال: =أخشى أن يفاجئني الأجل، وأحب أن أخبركم أنني قد سامحتكم، وأبرأتكم، ولم يبق لي عليكم شيء+.
ولا أذكر أنه طالبَ أحدًا له حق عليه.