فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 14

أيها الأحبة، منذ بدأ العامُ المنصرمُ ونحنُ نمزقُ أوراقَ التقويمِ في كلِ يومِ ورقة، والحقيقةُ أننا نقطعُ ورقةً من شجرةِ العمر، حتى إذا انتهى العامُ لم نجد وراء الورقةِ الأخيرةِ في التقويمِ شيئا، وكذلك العمر، سيأتي علينا يومُ لن نرى فيه بعدَ شمسِ اليومِ الأخيرِ شمسا، ولن نرى فيه بعد القمرِ قمرا، ولن تمشي فيه الأقدامُ بعد الخطوِ خطوة، ولن تقولُ الألسنُ بعد نهايةِ الكلامِ كلمة، ولن نأكلَ أو نشربَ فيه بعد ما استوفينا ما لنا من الدنيا شيئا.

فيا ليت شعري ما أبلغَ الغبنَ، وما أشدَ الغربةَ، وما أعظمَ الوحشةَ ونحن نساقُ إلى النهايةِ على أي حالٍ كنا، كراكبِ قطارٍ يسيرُ بهم إلى وجهةٍ محدودةٍ لا يكلُ ولا يملُ المسيرُ ولا يتوقف، ونحنُ الراكبونَ على متنِ هذا القطار، فلا يقفُ أيا كانت حالناُ عليه، نِمنا أو اضطجعنا أو استيقظنا أو وقفنا، وسواءً كانت وجوهُنا إلى جهةِ القطارِ أم استدبرنا الغايةَ والهدف، أم جعلنا حالَنا حالَ الأخرى فالقافلةُ سائرةُ لا محالة.

فيا ليت شعري متى يستيقظُ الغافلونَ عن الطاعةِ وصلاةِ الجماعة، ومتى يتوبُ الشاردون، ومتى يتوبُ المصرونَ على الذنوب، ومتى يردون الحقوقَ إلى أهلِها، ومتى يُنصِفونَ من أنفِسهم ويردون المظالمَ إلى المظلومين، متى يقلعونَ عن عقوقِ الوالدينِ وقطيعةِ الرحم، وأذى الجيرانِ وسوءُ الخلق، وخبثِ الطويةِ وسوءِ النيةِ والغشِ في المعاملة، متى يلتفتونَ إلى أبنائِهم الذين أضحوا أيتاما بسبب غفلِتهم عنهم، ومتى يعرفونَ حقوقَ زوجاتِهم وبناتِهم اللائي غدونَ أراملَ بهجرِهم وإيذائِهم بلا موجبٍ لذلك.

خل ادكارَ الأربُعِ... والمعهدَ المرتبع... والظاعن المودع... وعد عنهم ودع.

وأندب زمانا سلفا... سودت فيه الصحفا... ولم تزل معتكفا... على القبيح الشنع.

إلا ما تسهو وتني... ومعظم العمر فني... فيما يضر المقتني... ولست بالمرتدع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت