فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 392

لكن الدكتور زكي نجيب محمود بعد سرد هذه القصة أراد أن يستدل بها على أشياء على النقيض التام من كل ما سبق ويقول الدكتور ( [29] ) معلقًا على تلك القصة: لا، لم يكن في ساحة الفكر عن الأسلاف"حوار"حر إلا في القليل النادر، وفي مواقف لم تكن بذات خطر كبير على سلطة الحاكم، وكيف يكون والحوار إنما يتم بين أنداد ذوي قامات متقاربة، وأوزان متكافئة؟ أما وساحتنا لا تعرف هذا التكافؤ ولا ذلك التقارب في الأوزان والقامات -اللهم إلا في المبادئ النظرية التي كادت لا تشهد العمل والتطبيق- وكل الذي تعرفه هو أن تعلو فيها نخلة واحدة، أو قلة من نخيل، ليحيط بها كلأ قصير فإذا ما دفعت حرارة التربة ذلك الكلأ أن يرتفع برؤوسه، جُذت رؤوسه لتظل قريبة من مواضع الأقدام.. هذه كانت ساحة الفكر، وتلك هي كائناتها، فهي بطبعها ترفض أن يدور على أرضها حوار إذ لا يكون حوار بين نخيل ونجيل.. وفيم العجب؟ ألسنا قومًا على الفطرة؟ تلك إذن هي سنة الفطرة: فهل ترى -في البحر- حوار الأنداد قائمًا بين الحوت والبلم؟ أم هل ترى -في الفضاء- نقاش الأقران دائرًا بين سباع الطير وبغاثها؟ وهل تجري مفاوضات في الغاب -إلا في الأساطير والحكايات- بين الليوث والغزلان؟

تلك هي فطرة الأحياء والأشياء وظواهر الطبيعة، ونحن قوم على الفطرة فأي عجب إذا سلكنا أنفسنا مع الفطرة فيما فطرها عليه فاطر الأرض والسماء؟""

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت